الصفحة 5 من 181

الْحُكْمَ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُنْضَبِطٍ عَامٍّ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ , فَمَا لَا انْضِبَاطَ لَهُ كَيْفَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِعْلٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا غَايَتُهُ حَسَدٌ وَتَمَنٍّ لِزَوَالِ النِّعْمَةِ.

وفي مختصر منهاج القاصدين:

5ـ باب في الحقد والحسد

اعلم: أن الغيظ إذا كظم لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن، فاحتقن فيه فصار حقدًا. وعلامته دوام بغض الشخص واستثقاله والنفور منه، فالحقد ثمرة الغضب، والحسد من نتائج الحقد. وعن الزبير بن العوام رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء". وفى"الصحيحين"عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"لا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، كونوا عباد الله إخوانًا". وفى حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". وفى حديث آخر أنه قال:"يطلع عليكم من هذا الفج (6) رجل من أهل الجنة، فطلع رجل، فسئل عن عمله، فقال: إني لا أجد لأحد من المسلمين في نفسي غشًا ولا حسدًا على خير أعطاه الله إياه". وروينا أن الله تبارك وتعالى يقول:"الحاسد عدو نعمتى، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي بين عبادي".

وقال ابن سيرين: ما حسدت أحدًا على شئ من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة، فكيف أحسده على شئ من أمر الدنيا، وهو يصير إلى الجنة، وإن كان من أهل النار، فكيف أحسده على شئ من أمر الدنيا، وهو يصير إلى النار. وقال إبليس لنوح عليه السلام: إياك والحسد، فإنه صيرني إلى هذه الحال. واعلم: أن الله تعالى إذا نعم على أخيك نعمة، فلك فيها حالتان:

إحداها: أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها، فهذا هو الحسد.

والحالة الثانية: أن لا تكره وجودها ولا تحب زوالها، ولكنك تشتهى لنفسك مثلها، فهذا يسمى غبطة. قال المصنف رحمه الله:

قلت: واعلم أنى ما رأيت أحدًا حقق الكلام في هذا كما ينبغي، ولابد لى من كشفه فأقول: اعلم: أن النفس قد جلبت على حب الرفعة، فهي لا تحب أن يعلوها جنسها، فإذا علا عليها، شق عليها وكرهته، وأحبت زوال ذلك ليقع التساوي، وهذا أمر مركوز في الطباع. وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال:"ثلاث لا ينجو منهن أحد: الظن، والطِّيرة، والحسد، وسأحدثكم ما المخرج من ذلك، إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ". و علاج الحسد، تارة بالرضى بالقضاء، وتارة بالزهد في الدنيا، وتارة بالنظر فيما يتعلق بتلك النعم من هموم الدنيا وحساب الآخرة، فيتسلى بذلك ولا يعمل بمقتضى ما في النفس أصلًا، ولا ينطق، فإذا فعل ذلك لم يضره ما وضع في جبلته. فأما من يحسد نبيًا على نبوته، فيجب أن لا يكون نبيًا، أو عالمًا على علمه، فيؤثر أن يرزق ذلك أو يزول عنه، فهذا لا عذر له، ولا تجبل عليه إلا النفوس الكافرة أو الشريرة، فأما إن أحب أن يسبق أقرانه، ويطلع على ما لم يدركوه، فإنه لا يأثم بذلك، فإنه لم

يؤثر زوال ما عندهم عنهم، بل أحب الارتفاع عنهم ليزيد حظه عند ربه، كما لو استبق عبدان إلى خدمة مولاهما، فأحب أحدهما أن يستبق. وقد قال الله تعالى: {وفى ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26] (7) . وفى "الصحيحين" من حديث ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله عز وجل القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفقه في الحق آناء الليل وآناء النهار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت