الصفحة 47 من 181

فَيُقَدِّرُ مَا لَا وُجُودَ لَهُ وَأَصْلُ جَهْمٍ فِي"الْإِيمَانِ"تَضَمَّنَ غَلَطًا مِنْ وُجُوهٍ: (مِنْهَا ظَنُّهُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ بِدُونِ أَعْمَالِ الْقَلْبِ: كَحُبِّ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. و (مِنْهَا ظَنُّهُ ثُبُوتَ إيمَانٍ قَائِمٍ فِي الْقَلْبِ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ. و (مِنْهَا ظَنُّهُ أَنَّ مَنْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ وَخُلُودِهِ فِي النَّارِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ التَّصْدِيقِ وَجَزَمُوا بِأَنَّ إبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَالْيَهُودَ وَنَحْوَهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا كَلَامُهُمْ فِي الْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ إذَا كَانَتْ هَمًّا وَحَدِيثَ نَفْسٍ فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهَا وَإِذَا صَارَتْ إرَادَةً جَازِمَةً وَحُبًّا وَبُغْضًا لَزِمَ وُجُودُ الْفِعْلِ وَوُقُوعُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِ [أَنْ] يُقَدِّرَ وُجُودَهَا مُجَرَّدَةً. ثُمَّ يَقُولُ: لَيْسَ فِيهَا إثْمٌ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ حُجَّةِ السَّائِلِ. فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَالْحُبِّ فِيهِ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَيُعَاقِبُ عَلَى بُغْضِهِ وَبُغْضِ رَسُولِهِ وَبُغْضِ أَوْلِيَائِهِ وَعَلَى مَحَبَّةِ الْأَنْدَادِ مِنْ دُونِهِ وَمَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمَحَبَّةِ مِنْ الْإِرَادَاتِ وَالْعُزُومِ فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ سَوَاءٌ كَانَتْ نَوْعًا مِنْ الْإِرَادَةِ أَوْ نَوْعًا آخَرَ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِرَادَةِ فَلَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ إرَادَةٍ وَعَزْمٍ فَلَا يُقَالُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ؛ بَلْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: {أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ {عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك فَقَالَ عُمَرُ: فَإِنَّك الْآنَ أَحَبّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ يَا عُمَرُ} بَلْ قَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي قَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ أَحَبَّ إلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَتَاجِرِ وَالْأَصْحَابِ وَالْإِخْوَانِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا حَقًّا وَمِثْلُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا} وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ إلَّا بِهَذِهِ المحبات الثَّلَاثِ. (أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ سِوَاهُمَا وَهَذَا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُؤْمِنًا بِدُونِهَا. (الثَّانِي أَنْ يُحِبَّ الْعَبْدَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَهَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْأَوَّلِ. و (الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ إلْقَاؤُهُ فِي النَّارِ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْكُفْرِ. وَكَذَلِكَ التَّائِبُ مِنْ الذُّنُوبِ مِنْ أَقْوَى عَلَامَاتِ صِدْقِهِ فِي التَّوْبَةِ هَذِهِ الْخِصَالُ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَحَبَّةُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْأَعْيَانِ لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِنَا كَالْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِنَا فَهِيَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَ مِنْ الْعَمَلِ مَا تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ مِثْلَ إرَادَتِهِ نَصْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ وَالتَّقْرِيبَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِثْلَ بُغْضِهِ لِمَنْ يُعَادِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا اسْتَفَاضَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَأَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ} وَفِي رِوَايَةٍ {الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقُ بِهِمْ} أَيْ وَلَمَّا يَعْمَلُ بِأَعْمَالِهِمْ فَقَالَ: {الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ} قَالَ أَنَسٌ: فَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت