الصفحة 48 من 181

فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَأَنَا أَحَبّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَنِي اللَّهُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ عَمَلَهُمْ. وَهَذَا الْحَدِيثُ حَقٌّ فَإِنَّ كَوْنَ الْمُحِبِّ مَعَ الْمَحْبُوبِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ لَا يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ وَكَوْنُهُ مَعَهُ هُوَ عَلَى مَحَبَّتِهِ إيَّاهُ فَإِنْ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ مُتَوَسِّطَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَعَهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ كَامِلَةً كَانَ مَعَهُ كَذَلِكَ وَالْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَجِبُ مَعَهَا الْمُوَافَقَةُ لِلْمَحْبُوبِ فِي محابه إذَا كَانَ الْمُحِبُّ قَادِرًا عَلَيْهَا فَحَيْثُ تَخَلَّفَتْ الْمُوَافَقَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ يَكُونُ قَدْ نَقَصَ مِنْ الْمَحَبَّةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً. وَحُبُّ الشَّيْءِ وَإِرَادَتُهُ يَسْتَلْزِمُ بُغْضَ ضِدِّهِ وَكَرَاهَتَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّضَادِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وَالْمُوَادَّةُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ. فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ يَسْتَلْزِمُ مَوَدَّتَهُ وَمَوَدَّةَ رَسُولِهِ وَذَلِكَ يُنَاقِضُ مُوَادَّةَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَا نَاقَضَ الْإِيمَانَ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْعَزْمَ وَالْعِقَابَ؛ لِأَجْلِ عَدَمِ الْإِيمَانِ. فَإِنَّ مَا نَاقَضَ الْإِيمَانَ كَالشَّكِّ وَالْإِعْرَاضِ وَرِدَّةِ الْقَلْبِ وَبُغْضِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ لِكَوْنِهِ تَضَمَّنَ تَرْكَ الْمَامُورِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ فَاسْتَحَقَّ تَارِكُهُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ، وَأَعْظَمُ الْوَاجِبَاتِ إيمَانُ الْقَلْبِ فَمَا نَاقَضَهُ اسْتَلْزَمَ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ لِتَرْكِهِ هَذَا الْوَاجِبَ؛ بِخِلَافِ مَا اسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ كَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِي الْهَمِّ بِهِ وَقَصْدِهِ إذَا كَانَ هَذَا لَا يُنَاقِضُ أَصْلَ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ يُنَاقِضُ كَمَالِهِ؛ بَلْ نَفْسُ فِعْلِ الطَّاعَاتِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْمَعَاصِي وَنَفْسُ تَرْكِ الْمَعَاصِي يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الطَّاعَاتِ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَالصَّلَاةُ تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ: (أَحَدُهُمَا نَهْيُهَا عَنْ الذُّنُوبِ. و (الثَّانِي تَضَمُّنُهَا ذِكْرِ اللَّهِ وَهُوَ أَكْبَرُ الْأَمْرَيْنِ فَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ كَوْنِهَا نَاهِيَةً عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ و [لِبَسْطِ] هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ. و (الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْمَحَبَّةَ التَّامَّةَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مَحْبُوبَاتِهِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي التِّرْمِذِيِّ {مَنْ أَحَبّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ} "فَإِنَّهُ إذَا كَانَ حُبُّهُ لِلَّهِ وَبُغْضُهُ لِلَّهِ وَهُمَا عَمَلُ قَلْبِهِ. وَعَطَاؤُهُ لِلَّهِ وَمَنْعُهُ لِلَّهِ وَهُمَا عَمَلُ بَدَنِهِ دَلَّ عَلَى كَمَالِ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ و [دَلَّ] ذَلِكَ عَلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَذَلِكَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحُبِّ وَكَمَالَ الذُّلِّ وَالْحُبُّ مَبْدَأُ جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ الْإِرَادِيَّةِ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ حَيٍّ مِنْ حُبّ وَبُغْضٍ فَإِذَا كَانَتْ مَحَبَّتُهُ لِمَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَبُغْضُهُ لِمَنْ يُبْغِضُهُ اللَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ لَكِنْ قَدْ يَقْوَى ذَلِكَ وَقَدْ يَضْعُفُ بِمَا يُعَارِضُهُ مِنْ شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَأَهْوَائِهَا الَّذِي يَظْهَرُ فِي بَذْلِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ النَّفْسِ فَإِذَا كَانَ حُبُّهُ لِلَّهِ وَعَطَاؤُهُ لِلَّهِ وَمَنْعُهُ لِلَّهِ. دَلَّ عَلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَأَصْلُ الشِّرْكِ فِي الْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا - إنَّمَا هُوَ اتِّخَاذُ أَنْدَادٍ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} وَمَنْ كَانَ حُبُّهُ لِلَّهِ وَبُغْضُهُ لِلَّهِ لَا يُحِبُّ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُبْغِضُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُعْطِي إلَّا لِلَّهِ وَلَا يَمْنَعُ إلَّا لِلَّهِ فَهَذِهِ حَالُ السَّابِقِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ {النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْته بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ} . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحَبُّوا اللَّهَ مَحَبَّةً كَامِلَةً تَقَرَّبُوا بِمَا يُحِبُّهُ مِنْ النَّوَافِلِ بَعْدَ تَقَرُّبِهِمْ بِمَا يُحِبُّهُ مِنْ الْفَرَائِضِ أَحَبَّهُمْ اللَّهُ مَحَبَّةً كَامِلَةً حَتَّى بَلَغُوا مَا بَلَغُوهُ وَصَارَ أَحَدُهُمْ يُدْرِكُ بِاَللَّهِ وَيَتَحَرَّكُ بِاَللَّهِ بِحَيْثُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت