فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 126

إنهم قالوا له بايع فأبى، فلما ألحوا عليه، سافر إلى مكة، وكانوا قد عولوا على البيعة منه قسرًا، فهل يخالف ضميره واعتقاده ويبايع ويتخلى عن شأن الأمة فلا يقوِّم معوجها ولا يكون عاملًا لإصلاحها؟ إن ذلك لا يليق بمقامه ومنزلته وكرامته، والناس ينظرون إليه نظر السيد والقدوة، فماذا يفعل وكيف يتم له ما يريد؟ وكيف يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لقد ظل يفكر في ذلك زمنًا طويلًا، فلما وصل إلى مكة، أتته كتب من العراق علم منها أن الذين ينتظرون بيعته يبلغ عددهم 100.000 أو ما يقرب من ذلك، وقد كان في ذلك الوقت في حاجة إلى قوة تعينه على نفاذ أمره، ومع ذلك لم يجازف بنفسه، بل أرسل مسلم بن عقيل ليختبر حالهم ويكتب له، فلما وصل مسلم، بايعه 40.000 من أهل الكوفة فكتب إلى الحسين يستقدمه بعد أن رأى استعداد القوم وبعد أن بايعهم، فسار الحسين على ذلك قاصدًا الكوفة، وفي هذه الأثناء أحاط مسلم وشيعة الحسين بقصر الوالي عبيد الله بن زياد، وكان على وشك أن يقتحمه معهم ويخرج ابن زياد ويطرده أو يقتله ويستولي على البلد لكن عبيد الله استعان بأشراف الكوفة وهؤلاء بذلوا جهدهم لتفريق عشائرهم الذين بايعوا للحسين ونصحوهم بالابتعاد عن الفتنة وعدم الخروج على الوالي وقد راعى هؤلاء الرؤساء مصالحهم الشخصية.

فلما قدم الحسين، وجد أن القوم قد انصرفوا على مسلم وأن الوالي قبض عليه وقتله، وكان من العار عليه الفرار، فآثر أن يبقى هو وأهله ويحارب إلى آخر رمق وأن يذهب شهيد الواجب.

وما لنا نستنكر على الحسين تعريض نفسه للقتل وقد عرّض أبو بكر قبله نفسه للقتل فقام وخطب في قريش وتلا عليهم القرآن وليس معه أحد ينصره، فانهال الكفار عليه ضربًا حتى كادوا يقتلونه، وذلك في بدء الإسلام.

ثم لما نصحه أصحابه وفيهم عمر بن الخطاب وغيره من كبار الصحابة الذين لا يشك في شجاعتهم وإخلاصهم باجتناب قتال أهل الردة لكثرتهم، أصرّ على قتالهم ولو بقي وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت