ثم إنه لم يلزم بيته وبايع لأنه كان يرى نفسه أحق من غيره بالخلافة لأسباب شتى، منها: أنه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وربيبه وابن عمه ومن أول الناس إسلامًا، ومن أعظم المجاهدين في سبيل الله، ولشجاعته وعلمه وفضله ولأنه على العموم كان أفضل الناس بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه، فرجل في مركزه وقدره لا يمكن أن يترك الأمور ويقعد في بيته.
ومع أن الحسن رضي الله عنه كان لا يرى رأي أبيه في هذا، كان يطيع أوامره، فلما أمره أن يبقى على باب عثمان أثناء الحصار أطاعه، ولما خرجت عائشة رضي الله عنها لمحاربة أبيه لم يتركه بل انضم إليه مع أنه كان يرى أن يلزم أبوه داره بالمدينة، ولما سمع أبا موسى يثبط أهل الكوفة بقوله: إنها فتنة صماء، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فأغمدوا السيوف وانصلوا الأسنة واقطعوا الأوتار وآووا المظلوم والمضطهدين حتى يلتئم هذا الأمر.
رد عليه الحسن قائلًا:
يا أبا موسى لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يُخاف على شيء وهذا يدل على أنه يثق بأبيه كل الثقة.
ثم خاطب أهل الكوفة يحثهم على إجابة دعوة أبيه أمير المؤمنين:
يا أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله لأن يليه أولو النّهي أمثل في العاجلة وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم.
وكان لهذا الكلام أثره في النفوس، ثم قال:
أيها الناس إني غاد فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظَّهر ومن شاء فليخرج في الماء.
فخرج معه تسعة آلاف، وأما أبو موسى فأخرجه الناس من قصره واعتزل بناء على أمر أمير المؤمنين وتهديده.
بيعة الحسن رضي الله عنه سنة 40هـ (661م)