فهرس الكتاب
& فصل لا تطلب الحسنات إلا من الله &
89 ولما كان الأمر كما أخبر الله به في قوله { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } أوجب هذا أن لا يطلب العبد الحسنات والحسنات تدخل فيها كل نعمة إلا من الله وأن يعلم أنها من الله وحده فيستحق الله عليها الشكر الذي لا يستحقه غيره ويعلم أنه لا إله إلا هو كما قال تعالى { وما بكم من نعمة فمن الله }
فهذا يوجب على العبد شكره وعبادته وحده ثم قال { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } وهذا إخبار عن حالهم والجؤار يتضمن رفع الصوت والإنسان إنما يجأر إذا مسه الضر وأما في حال النعمة فهو ساكن إما شاكرا وإما كفورا { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون }
وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع يذم من يشرك به بعد كشف البلاء عنه وإسباغ النعماء عليه فيضيف العبد بعد ذلك الإنعام إلى غيره ويعبد غيره تعالى ويجعل المشكور غيره على النعم كما قال تعالى { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } وقال تعالى { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون } وقال تعالى { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار }