فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 147

وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل وإلا فلو كان عالما علما نافعا بأن فعل هذا يضره ضررا راجحا لم يفعله فإن هذا خاصية العاقل ولهذا إذا كان من الحسنات ما يعلم أنه يضره ضررا راجحا كالسقوط من مكان عال أو في نهر يغرقه أو المرور بجنب حائط مائل أو دخول نار متأججة أو رمى ماله في البحر ونحو ذلك لم يفعله لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه ومن لم يعلم أن هذا يضره كالصبي والمجنون والساهي والغافل فقد يفعل ذلك

ومن أقدم على ما يضره مع علمه من الضرر عليه فلظنه أن منفعته راجحة

فأما أن يجزم بضرر مرجوح أو يظن أن الخير راجح فلا بد من رجحان الخير إما في الظن وإما في المظنون كالذي يركب البحر ويسافر الأسفار البعيدة للربح فإنه لو جزم بأنه يغرق أو يخسر لما سافر لكنه يترجح عنده السلامة والربح وإن كان مخطئا في هذا الظن

وكذلك الذنوب إذا جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع لم يسرق وكذلك الزاني إذا جزم بأنه يرجم لم يزن والشارب يختلف حاله فقد يقدم على جلد أربع وثمانين ويديم الشرم مع ذلك ولهذا كان الصحيح أن عقوبة الشارب غير محددة بل يجوز أن تنتهي إلى القتل إذا لم ينته إلا بذلك كما جاءت بذلك الأحاديث كما هو مذكور في غير هذا الموضع

وكذلك العقوبات متى جزم طالب الذنب بأنه يحصل له به الضرر الراجح لم يفعله بل إما أن لا يكون جازما بتحريمه أو يكون غير جازم بعقوبته بل يرجو العفو بحسنات أو توبة أو بعفو الله أو يغفل عن هذا كله ولا يستحضر تحريما ولا وعيدا فيبقى غافلا غير مستحضر للتحريم والغفلة من أضداد العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت