فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز، أعيدي ذلك الدرس. فقالت: ما أحفظه. قال: أنا أكرر الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك [1] .
قال ابن جبرين: الغالب أن من حفظ سريعًا بدون تكرار فإنه ينسى سريعًا، ولقد كان الكثير من الطلاب قديمًا يكرسون جهودهم في الحفظ، حتى كان أحدهم يقرأ الحديث أو الباب مائة مرة، حتى يرسخ في ذاكرته، ثم بعد ذلك يكررون ما حفظوه [2] .
أمثلة تطبيق هذا الأمر عند أهل العلم:
1 -قال ابن مفلح: روي عن الزهري أنه كان يرجع إلى منزله وقد سمع حديثًا كثيرا، فيعيده على جارية له من أوله إلى آخره كما سمعه، ويقول لها: إنما أردت حفظه. وكان غيره يعيده على صبيان المكتب ليحفظه [3] .
2 -قال أبو الوليد: قال لي حماد بن زيد: إذا خالفني شعبة في حديث صرت إلى قوله. قلت: كيف يا أبا إسماعيل؟ قال: إن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث عشرين مرة، وأنا أرضى أن أسمعه مرة [4] .
3 -قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة، ما عرفناه [5] . وقال مجاهد بن موسى: كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيفا وخمسين مرة [6] .
4 -قال أبو إسحاق الشيرازي: كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت منه أخذت قياسًا آخر، وهكذا. وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به، حفظت القصيدة [7] .
وأثمر هذا التكرار ثمرته فقد قيل: إن أبا إسحاق كان يحفظ مسائل الخلاف كما يحفظ أحدكم الفاتحة [8] .
5 -سئل بكر بن محمد البخاري عن مسألة، فقال: هذه المسألة أعدتها في برج من حصن بخارى أربع مائة مرة. وكان إذا طلب المتفقه منه الدرس ألقى عليه من أي موضع شاء من غير مطالعة كتاب [9] .
6 -إسماعيل بن محمد بن إسماعيل يقال أقرأ المقنع مائة مرة [10] .
ومن أمثلة المعاصرين:
(1) الحق على حفظ العلم ص21.
(2) كيف تطلب العلم؟ حوار مع فضيلة الشيخ العلامة د. عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين. إعداد: عيسى بن سعد آل عوشن. ص31.
(3) الآداب الشرعية (2/ 120) .
(4) السير (7/ 219) .
(5) السير (11/ 84) .
(6) السير (11/ 92) .
(7) طبقات الشافعية (4/ 218) .
(8) طبقات الشافعية (4/ 222) .
(9) الحث على حفظ العلم ص32، السير (19/ 416) .
(10) ذيل طبقات الحنابلة (2/ 409) .