الثالث: الاهتمام:
إن الاهتمام للشيء، والحرص عليه، واشتغال الفكر به، ييسر حفظه، وهذا أمر ظاهر حتى في حاجات المرء الشخصية، فما كان منها محل اهتمامه، فإنه قل أن ينساه.
قال سفيان: اجعلوا الحديث: حديث أنفسكم، وفكر قلوبكم، تحفظوه [1] .
قال البخاري: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر [2] .
النهمة: بلوغ الهمة في الشيء، ومنه (النهم من الجوع) ، ومنه الحديث: «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا» [3] .
ثم قال البخاري: وذاك أني كنت بنيسابور مقيمًا، فكان ترد إلي من بخارى كتب، وكن قرابات لي يقرئن سلامهن في الكتب، فكنت اكتب كتابا إلى بخارى، وأردت أن أقرئهن سلامي، فذهب علي أساميهن حين كتبت كتابي، ولم أقرئهن سلامي، وما أقل ما يذهب عني من العلم [4] .
قلت: تأمل هذه القصة التي ذكرها البخاري في نفسه، فإنه نسي أسامي قرابات له، وهو القائل: تذكرت يومًا أصحاب أنس
(1) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 266) .
(2) السير (12/ 406) ، هدي الساري ص487 - 488.
(3) النهاية (5/ 138) .
(4) السير (12/ 406) .