وعلى هذا فكل حق فردي مشوب بحق الله، وهو حق الجماعة، الأمر الذي ينفي عن الحق الفردي سفة الإطلاق والخلوص، ويسبغ عليه الصفة الاجتماعية [12] .
والذي أرى أن قاعدة الضرورات في الشريعة الإسلامية تقتضي الجواز في جميع أنواع هذا الترقيع، ذلك لأن ترقيع العين لإعادة البصر (وهي محل التردد والاشتباه) يمكن قياسه على الحاجة إلى استنقاذ الحياة بدفع الهلاك، أو إلى منع إتلاف العضو عندما يتوقف ذلك على تناول بعض المحرمات، حيث يصرح الفقهاء أنه يجب تناوله لدفع الهلاك، فهنا لو قيل أيضًا يجوز أخذ العين مثلًا من الميت لإحياء حاسة لكان ذلك مقبولًا شرعًا.
وإذا كان يجوز بل يجب وجوبًا تشريح الميت لتعلم الطب، أو لكشف جريمة، ويجوز كشف عورة الرجل والمرأة لأجل ضرورة التطبيب ودفع الأذى مع أن كل ذلك من المحرمات القطعية في الأصل، فأبيحت أو وجبت بحسب درجة الضرورة إليها، بمقتضى أن الضرورات تبيح المحظورات، وهي قاعدة نص عليها القرآن نصًا قطعيًا، أفلا تكون الاستفادة من عيون الموتى لاستعادة بصر شخص أعمى هي أولى بالجواز؟
ومما يلحظ في هذا الصدد أنه لم يتردد أحد من فقهاء العصر في جواز نقل الدم من جسم إلى جسم آخر شرعًا عن الحاجة إلى الاسعاف، كما لم يتردد أحد في جواز ترقيع الجلد بالجلد. فما الفرق بين ذلك وبين ترقيع العين مع العلم أن الدم عضو من جملة أعضاء البدن في نظر الطب كالعيون والجلد، ومع العلم أيضًا أن النظر الشرعي يعتبر العضو بعد انفصاله من الحي كجزء من ميت. ولذا ينص الفقهاء على أنه لو قطع عضو من شاة وهي حية كان كجزء من الميتة لا يحل أكله، إلا من السمك فإن النص قد ورد بأن ميتته حلال فلم يوجب الشرع ذبحه لأجل حله.