وذهب بعض الفقهاء وأصوليو الجعفرية إلى احتمال أن يكون التكرار للتأكيد، بل هو الأرجح عند هؤلاء الأخيرين [6] .
وكتب أصول الجعفرية صريحة في ذلك [7] .
وفي فقه المالكية، يذكر صاحب المنتقى على موطأ مالك، المعاني المحتملة لهذين اللفظين، ومن ذلك.
-أنه يحتمل أن يراد بالحديث: لا ضرر على أحد بمعنى أنه لا يلزمه الصبر عليه، ولا يجوز إضراره بغيره.
غير أن بعض فقهاء المالكية يخص الحديث بنفي الضرر عن الجار، والنهي عن الاضرار به، سواء كان مقصودًا أم غير مقصود.
وتعقب هذا بأنه تخصيص للحديث بلا دليل، إذ الحديث عام، وبعمومه يشمل كل صور الضرر إلا ما استثنى بدليل، وهذا ما يؤكده العلامة الشوكاني بقوله:
"هذا فيه دليل على تحريم الضرار على أي صفة كانت، من غير فرق بين الجار وغيره، فلا يجوز في صورة من الصور إلا بدليل يخصص به هذا العموم، فعليك بمطالبة من جوز المضارة في بعض الصور بالدليل، فإن جاء به قبلته، وإلا ضربت بهذا الحديث وجهه، فإنه قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات" [8] .
وعلى هذا، فليس الحديث خاصًا بنفي الضرر أو تحريم إيقاعه على الجار خاصة لما هو ظاهر فيه من العموم، والتفرقة دون دليل محض تحكم هذا والمشهور - كما يقول ابن رجب - إن بين اللفظين فرقًا [9] ، ويحمل الحديث على معنى أن الضرر نفسه منتف في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك [10] .
وعلى هذا فالضرر هو الإسم، والضرار هو الفعل، كما يذكر احتمالًا آخر من المعنى للحديث وهو: (( أن الضرر أن يدخل على غيره ضررًا ينتفع هو به، والضرار ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ) )وقد رجح هذا المعنى ابن عبدالبر وابن الصلاح، وقد ذكره كذلك ابن الأمير [11] .
وجماع القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نفى الضرر والضرار بغير حق، وأما إدخال الضرر على من يستحقه فهذا غير مراد قطعًا [12] .