لكن ما هى الحكمة التى قام عليها وجود الكائنات في الأرض أو في السماوات ؟ صحيح أن العقلاء يقرون بوجد حكمة بالغة في صنع الأشياء ، وكذلك في كلام الله الذى نزل من السماء ، كما قال الله عز وجل: { وَما خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } [الدخان/39:38] لكن كيف نصل إلى العلم بها ؟
ألم ترغب يوما من الأيام أن ترى مجتمعا طاهرا من الآثام ، الناس فيه نسيج واحد يحب بعضهم البعض ، ويخاف الإنسان على أخيه الإنسان ؟ لم يتكالب أغلب الناس على الشهوات ويجعلون الغاية من حياتهم السعى خلف النساء وامتلاك المال وتحصيل أسباب الغنى والترف ؟ لماذا كان الناس مختلفين آجالا وأرزاقا ، ألوانا وأخلاقا ، منهم الغنى والفقير ، والأعمى والبصير ، والجاهل والخبير ، منهم الظالم والمظلوم ، والحاكم والمحكوم ، لم لا يكون الناس أمة واحدة ، يستوون في المسكن والملبس والمطعم ؟
هل يمكن للإنسان أن يجيب عن هذه الخواطر وغيرها بمفرده ، دون هداية حقيقية تأخذ بيديه من ظلمات الحيرة ؟
لهذا ولغيره كتبت ما وفقنى الله فيه لتفسر الحقائق العظمى في حياة الإنسان وعلاقته بمن حوله من الكائنات ، منتهجا في ذلك منهج السلف الصالح ، الذين أكدوا أنه لا تعارض بين العقل الصريح أو النقل الصحيح المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، بل العقل يشهد للنقل ويؤيده لأن المصدر واحد ، فالذى خلق العقل هو الذى أرسل إليه النقل ، ومن المحال أن يرسل إليه
ما يفسده .
ولو حدث تعارض بين العقل ورسالة السماء ، فذلك لسببين ، إما أن النقل لم يثبت فينسب الإنسان إلى دين الله ما ليس منه ، كالذين يتمسكون بأحاديث ضعيفة أو موضوعة ، وإما أن العقل لم يفهم النقل ولم يدرك خطاب الله على النحو الصحيح .