ثالثا: أن سجود الملائكة لآدم إقرار منهم بمنزلة الإنسان وتعظيما للدور الذى سيقوم به ، وأنه خليفة الله في الأرض على وجه الابتلاء ، وأنه الوحيد الذى ميزه الله عن الكائنات من حوله ، فهو القائم عليها بأمر الله وشرعه ، وهو المستفيد منها إلى قيام الساعة ، فمن سجد لآدم أقر بذلك ، ومن امتنع منهم كان معترضا على فعل الله مشككا في حكمته سبحانه وتعالى .
رابعا: أن أمر الله لملائكته بالسجود لآدم عليه السلام ، لا يدل فقط على مطالبتهم بالإقرار والتعظيم للإنسان الذى كرمه الله ، ولكن سجودهم يتبعه تكليفهم جميعا بالقيام على أمور الإنسان اللازمة لتحقيق استخلافه في الأرض ، والقيام أيضا على أمور الكائنات من حوله لكى تظل مسخرة للإنسان إلى يوم القيامة ، وأنهم إذا سجدوا لن يعصوا لله أمرا في تدبير شئون الإنسان ، وهم في ذلك كما قال تعالى: { لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم/6] ولو خالف أحدهم أمر الله فسوف يعذبه في جهنم ، كما جاء في سورة الأنبياء عن الملائكة: { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [الأنبياء/29 ] فوافقت الملائكة بسجودهم وخضعوا ولم يستكبروا ، وأبدوا بذلك الاستعداد التام لأمر الله في تدبير شئون الحياة للإنسان ، فلما سجدوا وأقروا ، قسمهم الله ونوعهم ، وكلفهم وعلمهم ، فهم بأمر الله قائمون على شئون الإنسان ، يدبرون أمره على نحو ما جاء في القرآن: { لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم/6] وكما قال الله عز وجل: { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [النحل/50:49] .