وانظر أيها القارئ البصير ، وأمعن النظر ورتب التفكير ، في عدل الله وحكمة التدبير ، إذا كان الله قد أوجد في كل إنسان منا نازعين نفسيين متقابلين ومتضادين ليس لأحدهما غلبة على الآخر ، نازع يدعوه إلى الطاعة وفعل الخير ، وآخر يدعوه إلى المعصية وفعل الشر ، والإنسان حر بينهما في الاختيار ، كما قال رب العزة والجلال: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس/10:7] { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [الإنسان/3] .
فإذا سمح الله للشيطان أيضا أن يوسوس للإنسان ، واتفق الشيطان مع نازع الشر في الإنسان ، كلاهما يدعوان إلى الكفر والعصيان ، ألا يكون دواعى الشر في الإنسان أقوى من نازع الخير فيه ؟
أليس للعاصى أن يحتج على اللَّه يوم القيامة ، بأن نازع الخير فيه كان وحيدا ، وكانت دواعى الشر في الإنسان لها ركنان أحدهما نازع الشر والآخر الشيطان ، فهى بذلك أقوى من داعى الخير فيه ، وأنه من أجل ذلك لا يستحق العذاب على العصيان ؟
ومن هنا ظهرت في الإنسان حكمة الله ، وبلغ كمال العدل في الأشياء منتهاه ، فجعل الله تركيب الإنسان على مستوى الكمال ، ظاهرا وباطنا على قمة الاعتدال ، كما قال رب العزة والجلال: { يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [الانفطار/8:6] فكلف الله بكل إنسان ملكا قرينا ، وأمره أن يلازمه ملازمة الشيطان للإنسان ، لا يفارقه إلا إذا مات ، يدعوه إلى الخير ويحضه عليه ، كما أن الشيطان يدعوه إلى الشر ويحضه عليه ، فيستوى بذلك مقدار الدواعى ويعتدل الميزان في الإنسان ، ولا يكون لأحد حجة على الله يوم القيامة .