فلكون الإنسان هو الذى قبل الأمانة ورفضتها السماوات والأرض والجبال رفعه الله على غيره ، وجعل مكانته في الوجود أعلى ممن رفضها ، ثم سخر له كل من في الأرض ، وجعل الأرض أمانة بين يديه في هذا العالم ، فهو الوحيد في بين هذه الكائنات الذى لم يرد الأمانة على الله عند عرضها ، فاستحق بعدل الله الرفعة والمنزلة ، وظهر هذا التكريم في الوصف الذى تميز به الإنسان عن غيره ، وهو استخلافه في الأرض وتهيئة العالم من حوله لهذه الغاية ، فالله استخلفه وخوله وفوضه أن يتصرف في الأرض على النحو الذى يشرعه صاحب الأمانة ويكلفه به ، من خلال الرسالة السماوية التى سيرسلها له تباعا ، وسيجعل الله كل ملك أو مال أو أرض أو أى نعمة يتملكها الإنسان أمانة بين يدية ، يستمتع بها ويتملكها على أمر الله وتوجيهه له فيها ، فهو مستخلف فيها فقط ، وهى أمانة مسئول عنها أمام ربه يوم القيامة ، فكل إنسان أمين حتى على نفسه وبدنه يتصرف فيه على مراد ربه ، فمالكه الحقيقى هو الله: دل على تكريمه قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء] ودل على استخلافه في الأرض آيات كثيرة وردت في القرآن منها قوله: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } وقوله: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) } [الأنعام] وقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ