وأنما قال ذلك؛ لأن خُلته كانت مقصورة على حب الله تعالى، فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محابِّ الدنيا والآخرة. وهذه حال شريفة لا ينالها أحد بكسب ولا اجتهاد فقال:
خلِيلَيَّ خُلْصَانيّ لَمْ يُبْقِ حُبُّها ... مِنَ القَلبْ إلا عُوْذًَا سينالُها [1]
ويلحظ أنه سلك في التعبير الاسلوب العربي المتوارث من عهد ما قبل الأسلام، وهو مخاطبة الاثنين، بقوله (خَلِيلَيّ) ، إذ كان الشاعر يجعل له صديقين حميمين في التصور فيخاطبهما معًا.
ووردت لفظة (عشير) مرتين، ومعناه الصديق أو القريب الذي يعاشرك [2] ، قال يمدح الحكم بن الصلت الثقفي.
وفَاءُ السُمْؤلِ لا بَلْ تَزِيْدُ ... كَمَا يَفْضُلَنَّ خَمِيْسٌ عَشِيْرا [3]
و (السُمْؤل) هو السمؤل بن غريض بن عادياء الأزدي [4] ، اشتهر بالوفاء في حادثة مع امرئ القيس الشاعر.
ووردت لفظة (زميل) وهو الرديف [5] ، إذ يقال هذا الرجل بمنزلة الزميل، فقال في ذلك:
مَنِيْحُ خِصَالٍ لا تُعَدُّ خِصَالُهُ ... خِصَالًا زَمِيْلَ الكِفْلِ مُحْقَبُ [6]
و (الخصال) : تعني الفضائل، و (الكِفْل) : كساء يجعل على البعير مكان الرحل.
أما أهم الظواهر اللغوية هنا فيه:
1 -وجود ترادف بين الفاظ مثل الجار والقطين.
2 -كثرة استعماله لألفاظ الصديق والزميل. ولعل مرد ذلك إلى ما عرف عنه عن حسن الصحبة، والوفاء للأصدقاء، ومنهم صديقه الخارجي، مع ما بينهما من خلاف عقيدي.
3 -وجود علاقة ترادف بين طائفة من الألفاظ الدالة على الصحبة مثل القرين والترب والرديف والصاحب والصديق والرفيق والعشير والزميل. وان كان ترادفها غير تام، إذ بينها فروق دلالية.
4 -وردت ألفاظ قرآنية، تشعر بالأثر القرآني الذي طبع به شعره.
(1) الديوان 2/ 46، ينظر الهاشميات 189.
(2) لسان العرب (عشرَ) 2/ 782، القاموس المحيط (عشر) 2/ 89.
(3) الديوان 1/ 193، ينظر 1/ 235.
(4) الأعلام- قاموس تراجم: خير الدين الزركلي 3/ 140.
(5) أساس البلاغة (ردف) 195، لسان العرب (ردفَ) 2/ 46.
(6) الهاشميات 156.