الصفحة 2 من 11

وشهدَ الأعضاءُ والجوارح، وبدت السوءاتُ والفضائح، وابتليت هنالك السرائرُ، وانكشفَ المخفيُ في الضمائر.

هنا، تخيل ذلك الوليدُ صاحبَ الشهرِ الواحد، ما اقترفَ ذنبًا وما ارتكبَ جُرما والأهوالُ محدقةٌ به من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، تخيلهُ مذعورًا قلبُه، اشتعل رأسُه شيبا في الحال لهولِ ما يرى، فيا لله لذلك الموقف.

يوم عبوس قنطرير شره ... . وتشيب منه مفارق الولدان

هذا بلا ذنبُ يخاف مصيره ... كيف المصرُ على الذنوبِ دهورُ

قال اللهُ عز وجل (فكيفَ تتقونَ إن كفرتم يومًا يجعلُ الولدانَ شيبا)

عباد الله:

في خضمِ هذه الأهوالِ التي تبيضُ منها مفارقُ الولدانِ، ما النجاة وما المخرج؟

إن النجاةَ والمخرجَ في أمرٍ لا غير، لا يصلحُ قلبٌ، ولا تستقيمُ نفسٌ ولا تسعدُ إلا به، خوطبَ به الخلقُ أجمعين، خصَ به المؤمنون، أُوصيَ به الأنبياءُ والمرسلون، وخاتَمَهم سيدُ ولد أدم أجمعين عليه وعليهم صلوات وسلام رب العالمين. أي أمرٍ هذا أيها المؤمنون؟

إنه وصية الله للأولين والأخرين:

(ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) .

تقوى اللهِ وكفى، قال جل وعلا:

(وينجي اللهُ اللذين اتقوا بمفارتهم لا يمسُهم السواءُ ولا هم يحزنون) .

ويقول (وإن منكم إلا واردَها كان على ربكَ حتمًا مقضيا، ثم ننجي الذينَ اتقوا ونذرُ الظالمين فيها جثيا) . أيُ تقوىً تُنجي بين يدي الله؟

أهي كلمةٌ تنتقى وتدبج في مقال؟

أم هي شعارٌ يرفعُ بلا رصيدٍ من واقع؟

كلا ما كلُ منتسبٍ للقولِ قوالُ:

ولو أن أسباب العفاف بلا تقى ... .. ... نفعت لقد نفعت إذا إبليسُ

فهو القائل (إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين) .

لا ينجي واللهِ في تلك الأهوالِ إلا حقيقةٌ التقوى، لبُها كنهها ماهيتها مضمونُها.

فما حقيقةُ تلك الكلمة يا عباد الله؟

إنها هيمنةُ استشعارِ رقابةِ اللهِ على حياتِك أيها الفرد حتى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك وتلك أعلى مراتب الإيمان وهي مرتبة الإحسان،

وتلك أعلاها لدى الرحمن

وهي رسوخ القلب في العرفان

حتى يكون الغيب كالعيان

بل هي هيمنةُ الدينِ على الحياة كلها عقيدةً وشريعة، عبادةً ومعاملةً، خُلقا ونظامًا، رابطةً وأخوة.

هيمنَةً كما أرادها الله تجعلُ الحياةَ خاضعة في عقيدة المسلم وتصوره لله، لا يند منها شاردة ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت