الصفحة 5 من 5450

ثم إني قد صرفت قوتي في سالف الزمان منذ أول الحداثة و الريعان «1» في الفلسفة الإلهية بمقدار ما أوتيت من المقدور و بلغ إليه قسطي من السعي الموفور- و اقتفيت آثار الحكماء السابقين و الفضلاء اللاحقين مقتبسا من نتائج خواطرهم و أنظارهم مستفيدا من أبكار ضمائرهم و أسرارهم و حصلت ما وجدته في كتب اليونانيين و الرؤساء المعلمين تحصيلا يختار اللباب من كل باب و يجتاز عن التطويل و الإطناب مجتنبا في ذلك طول الأمل مع قصر العمل معرضا من إسهاب الجدل مع «2» اقتراب الساعة و الأجل طلبا للجاه الوهمي و تشوقا إلى الترؤس الخيالي من غير أن يظفر من الحكمة بطائل أو يرجع البحث إلى حاصل كما يرى من أكثر أبناء الزمان من مزاولي كتب العلم و العرفان من حيث كونهم منكبين «3» أولا بتمام الجد على مصنفات العلماء منصبين بكمال الجهد إلى مؤلفات الفضلاء ثم عن قليل يشبعون عن كل فن بسرعة و يقنعون عن كل دن «4» بجرعة لعدم وجدانهم فيها ما حداهم «5» إليها شهواتهم شهوات العنين- و دواعهيم دواعي الجنين «6» و لهذا لم ينالوا من العلم نصيبا كثيرا و لا الشقي الغوي منهم يصير سعيدا بصيرا بل ترى من المشتغلين ما يرجي «7» طول عمره في البحث و التكرار آناء الليل و أطراف النهار ثم يرجع بخفي حنين «8» و يصير مطرحا للعار و الشين و هم المذكورون في قوله تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ

الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة، ج 1، ص: 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت