إنه ينظر بقلب النبي فيرى سنة الله، تجري وفق وعده، للصابرين، وللجاحدين! ويرى من خلال سنة الله هلاك الطاغوت وأهله، واستخلاف الصابرين المستعينين بالله وحده. فيدفع قومه دفعا إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد .. وهو يعلمهم - منذ البدء - أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم. ليس أنهم أبناء الله وأحباؤه - كما زعموا - فلا يعذبهم بذنوبهم! وليس جزافا بلا غاية. وليس خلودا بلا توقيت. إنه استخلاف للامتحان: «فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» .. وهو سبحانه يعلم ماذا سيكون قبل أن يكون. ولكنها سنة الله وعدله ألا يحاسب البشر حتى يقع منهم في العيان، ما هو مكشوف من الغيب لعلمه القديم. [1]
أي اصبروا، فلعل الله يرفع عنكم هذا البلاء، ويهلك عدوكم، ويجعلكم أصحاب جاه وسلطان، ليبلوكم فيما آتاكم، فينظر كيف تعملون وأنتم في لباس الجاه والسلطان .. هل ترعون حق الله، وتؤدّون بعض ما لفضله عليكم من حق؟ أم تكفرون بالله، وتفسدون في الأرض كما يفسد كثير من أصحاب الجاه والسلطان؟ ذلك ما تكشف عنه الأيام منكم .. وإنها لتكشف عن أسوأ عباد الله، وأكثرهم بغيا وفسادا، إذا لبستهم نعمة، ووقع ليدهم سلطان! [2]
وقال ابن عاشور:"فَإِنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ أَنَّهُ طَلَبُ نَصْرِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يُرْغَبُ حُصُولُهُ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الِاسْتِعَانَةِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الصَّبْرَ عَلَى الضُّرِّ لِاعْتِقَادِ أَنَّهُ زَائِلٌ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَخَاطَبَ مُوسَى قَوْمَهُ بِذَلِكَ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ، وَتَعْلِيمًا لَهُمْ بِنَصْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لِأَنَّهُ علم لِأَنَّهُ بِوَحْيِ اللَّهِ إِلَيْهِ."
وَجُمْلَةُ: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ تَذْيِيلٌ وَتَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَالصَّبْرِ، أَيِ: افْعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ الظُّلْمِ لَا يَدُومُ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ كِنَايَةٌ عَنْ تَرَقُّبِ زَوَالِ اسْتِعْبَادِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُمْ، قُصِدَ مِنْهَا صَرْفُ الْيَأْسِ عَنْ أَنْفُسِهِمُ النَّاشِئِ عَنْ مُشَاهَدَةِ قُوَّةِ فِرْعَوْنَ وَسُلْطَانِهِ،
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1822)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 462)