فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 106

المبحث الثاني

أنواع النصر الظاهر

نحن نعلم يقينًا أن وعد الله لا يتخلف أبدًا ومنشأ السؤال والإشكال، أننا قصرنا النظر على نوع واحد من أنواعه؛ وهو النصر الظاهر، ولا يلزم أن يكون هذا هو النصر الذي وعد به أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يتجلى في صور أخرى لا تلمحها النفوس المهزوزة الضعيفة.

من صور النصر محاصرة المسلمين في شعب أبي طالب:

ومن بعض هذه الصور؛ أن قبائل قريش قد أجمعت قديمًا على محاصرة المؤمين ومقاطعتهم في شعب أبي طالب ومعهم بنو هاشم، ثلاث سنوات لا يبيعونهم ولا يشترون منهم؛ حتى لم يجدوا ما يأكلونه إلا ما يلتقطونه من خشاش الأرض، وأوشك المؤمنون على الهلاك لولا أن رحمة الله أدركتهم.

عَنْ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا تَكَاتَبَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَكَانُوا تَكَاتَبُوا أَلَّا يُنْكِحُوهُمْ وَلَا يَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ وَلَا يَبِيعُوهُمْ، وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ، وَلَا يُخَالِطُوهُمْ فِي شَيْءٍ وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَ سِنِينَ فِي شِعْبِهِمْ مَحْصُورِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ أَطْلَعُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى أَمْرِ صَحِيفَتِهِمْ، وَأَنَّ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ جَوْرٍ أَوْ ظُلْمٍ وَبَقِيَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِأَبِي طَالِبٍ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَحَقٌّ مَا تُخْبِرُنِي يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: «نَعَمْ وَاللَّهِ» قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ لِإِخْوَتِهِ، فَقَالُوا لَهُ: مَا ظَنُّكَ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي قَطُّ قَالَ: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَلْبَسُوا أَحْسَنَ مَا تَجِدُونَ مِنَ الثِّيَابِ ثُمَّ تَخْرُجُونَ إِلَى قُرَيْشٍ فَنَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمُ الْخَبَرُ، قَالَ: فَخَرَجُوا حَتَّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ فَصَمَدُوا إِلَى الْحِجْرِ، وَكَانَ لَا يَجْلِسُ فِيهِ إِلَّا مَسَّانُ قُرَيْشٍ وَذُوُو نُهَاهُمْ، فَتَرَفَّعَتْ إِلَيْهِمُ الْمَجَالِسُ يَنْظُرُونَ مَاذَا يَقُولُونَ؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّا قَدْ جِئْنَا لِأَمْرٍ فَأَجِيبُوا فِيهِ بِالَّذِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت