فهرس الكتاب
وقد تم تكريس الجهود في العملية الاجتهادية وحصرها في نطاق العبادات والمعاملات وفتح باب الاجتهاد وهما خطوتان حاول فيها الأصوليون تجنّب المشاكل التي تنجم عن الاعتباط والمتمثلة بالتصادم بين أصول العملية الاجتهادية والأصول العامة للدين على طريقة المذهب الامامي في الخطوة الأولى وحالة الجمود والتحجر كصفة دائمة للاعتباط في الثانية . وحاول التيار الأصولي بإصدار الكراسات بين الحين والآخر تبرير العملية الاجتهادية كلما سمع بدقات نبض يصدرها قلب الاتجاه الإخباري المضاد والذي ربما يظهر بشكل مفاجئ داخل مجلس المرجعية نفسه فيما إذا تقدم شابٌّ قاده حدسه العميق الى كشف التناقض بين الأمرين وتساءل بشغف عن مبررات الاجتهاد .
وعلى الطرف الآخر للفكر الاعتباطي تم التخلص من هذه المشكلة بإيقاف العمل الاجتهادي واختيار ( أربعة أئمة ) من بين عشرات المجتهدين واعتبارهم أرباب المذاهب التي يمكن لبراءة الذمة أن تلحق المكلف باتباعهم وهؤلاء هم الذين اتخذتهم الدولة القائمة على الفكر السنِّي في أوج قوتها ممثلين لها في باب الفتيا والقضاء ، فاتّبعهم أكثرية الناس مثلما يتبعون أي تشريع جديد تضعه الدولة وتجعله موضع التنفيذ في المحاكم والجامعات ومؤسسات الدولة للبتِّ في شؤون الناس وإنجاز معاملاتهم حيث لامحيص للجمهور من اتباعهم .
ولم يقم التيار القصدي بنقض الاتفاق فلم يزاحم الأصوليين على مقاعدهم ولم يفسر القرآن ولم يفتِ بشيء يذكر . ولكن رجال هذا التيار كانوا بالقرب من الأصوليين دائمًا ـ وغالبًا ما كانوا رجالًا زاهدين منتهى الزهد في الدنيا وغالبًا ما تذكر أسماؤهم تحت عنوان ( الفاضل الأجل ) وغالبًا ما تفتقر تراجمهم الى العبارات التي تبجّل الأصوليين ويكتفى بالقول عن أي واحدٍ منهم: ( فلان ـ كان فاضلًا جليلًا وله آراء عجيبة ورؤى صادقة مثل فلق الصبح رأيته في سنة كذا ... له تصانيف كثيرة نافعة ) !