فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 164

لتقسم أوروبا إلى قسمين أوروبا العجوز وهي الرافضة للتفرد الأمريكي، وأوروبا الحديثة وهي المؤيدة للتفرد الأمريكي، وهذا التقسيم سيؤدي إلى تفريق دول أوروبا وإضعافها وإشغالها في نفسها مما سيسبب ضعفها الاقتصادي الذي سيعيد للاقتصاد الأمريكي شيئًا من عافيته، وقد قابلت دول أوروبا العجوز هذا التقسيم الأمريكي لأوروبا، بإنشاء تكتل عسكري جديد ذكرنا تفاصيله في الحلقة الماضية تقوده فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهذه الغطرسة الأمريكية دفعت روسيا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي إلى إنشاء تكتل آخر لمواجهة التوسع الأمريكي في منطقة نفوذها، فهذه السياسة الأمريكية المتغطرسة أعادة تقسيم التحالفات العالمية، وربما تشهد السنوات القادمة حربًا باردة جديدة أو حربًا عالمية مع هذه التكتلات.

وفي إطار حملة الغطرسة الأمريكية على العالم حذر وزير الخارجية الأمريكي باول (فرنسا من أنها ستواجه عواقب معارضتها للحرب الأمريكية في العراق، مشيرًا إلى أن واشنطن ستنظر في كافة جوانب علاقتها مع باريس، وقال: بأنها ستتحمل نتائج معارضتها الحرب على العراق) ، وأكد البيت الأبيض أيضًا بعد تصريح باول بساعات (أن الحكومة الفرنسية ستواجه(عواقب) نتيجة موقفها، وأكد أن معارضة فرنسا الشرسة للولايات المتحدة للحرب على العراق قبل أسابيع من الحرب لن تبقى دون عقاب).

هذه هي بعض ملامح السياسة الأمريكية في العالم وتجاه المنطقة خاصة، وهذه الملامح لم تظهر بعد حرب العراق ولا بعد سبتمبر، بل إنها ظهرت إبان الحرب الباردة، وتزايدت وبرزت ملامحها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي منذ ذلك اليوم في ازدياد متسارع تواكب تسارع التطور العسكري الأمريكي، وقد أوضحنا في الحلقة الماضية الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وفهمها يساعد على فهم ملامح السياسة الأمريكية جيدًا ومراحل تطورها.

نموذج العراق رسالة تهديد لبقية دول المنطقة:

ولكننا نعود ونقول بأن المنطقة بعدما زال منها نظام صدام واحتلت أمريكا العراق، فقد دخلت في مرحلة جديدة، لن تتجنب آثارها السيئة إلا إذا عملت بكل قوة على ضرب الوجود الأمريكي في العراق، واستنزفته بحرب عصابات شرسة، فخطرها في حال تمكنها من العراق خطر عام شامل على جميع المنطقة وعلى كافة الاتجاهات، فبعبارة أدق لقد دخلت المنطقة في مرحلة انقلاب كبير، وقد وضعت الأنظمة العربية العميلة أمام ضغوطات وتحديات عديدة لم تكن تحسب لها حسابًا، لأن التحديات الجديدة ستكون بمثابة تغييرات جذرية في المنطقة، كانت الدول العربية تساعد العدو الصليبي لضمان بقائها، ولكنها لم تشعر أنها ستكون ضمن الخطة في فترة من الفترات، وهاهو الدور اليوم على النظام السوري وهاهي المنطقة تستعد لتودع بشار الأسد، فهو بين أمرين إما أن يودع المنطقة، أو يقرر أن يعمل كسفير للولايات المتحدة في سوريا، فرؤساء الدول جميعًا اليوم بين أمرين إما أن يخلع بأية طريقة، أو يقرر أن يعمل كسفير لأمريكا في دولته كما هو حال الرئيس القطري وغيره، ومشروع (خريطة الطريق) التي وضعتها اللجنة الرباعية (الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وروسيا) ، ما هي إلا نموذج جديد من المرحلة الأمريكية الجديدة، حيث ستطبق في فلسطين وبعدها سوف يعمم النموذج على بقية دول المنطقة، وكلما زادت الضغوط الأمريكية نحو التغيير الجذري في المنطقة، فسوف تزيد ضغوط الدول العربية على شعوبها لتطبيق النموذج الأمريكي المنشود الذي لم يعد يرفضه سوى الشعوب الإسلامية فقط.

فمن الواضح أن السياسة الأمريكية اليوم تحاول جاهدة أن تجني ثمرة تفوقها العسكري والاقتصادي بأسرع وقت وبأكبر قدر ممكن، حتى تصبح هي كل شيء في العالم وتتحكم في ثرواته ومصيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت