الحمد لله الذي رفع أهل العلم والإيمان درجات، والصلاة والسلام على أزكى الخلق وأشرف البريات، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أولي الفضائل والكرامات.
أما بعد:
فإن وظيفة العلم أشرف الأعمال قدرًا، وأسماها منزلة، وأرحبها أفقًا، وأثقلها تبعة، وأوثقها عهدًا، وأعظمها عند الله أجرًا.
وإن العلماء هم ورَّاثُ الأنبياءِ، الآخذون بأهم تكاليف النبوة، وهي الدعوة إلى الله، وتوجيه خلقه إليه، وتزكيتهم بالعلم، وترويضهم على الحق؛ حتى يفهموه، ويقبلوه، ويعملوا به، ويعملوا له.
هذا وإن سير العظماء من الرجال لمن أعظم ما يبعث الهمة، ويقدح زندها، ويذكي أُوَارها؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
وكثيرًا ما دفع الناس إلى العمل الجليل حكايةٌ قرؤوها عن رجل عظيم، أو حادثة رويت عنه.
والحديث في هذا الكتاب سيتناول جوانب من سيرة الإمام القدوة العلامة بقية السلف، وشيخ الإسلام، ومفتي المسلمين سماحة والدنا وشيخنا أبي عبدالله، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز×.
ذلك البحر الخِضَمُّ، والطود الأشم، الذي بَعُدَ صيتُه وتناهى فضله، وكمل سؤدده.
ذلك الإمام الذي قل أن يوجد له نظير، والذي قل أن تند عنه خصلة من خصال الخير؛ فلقد جمع الله له من حميد الخلال، وكريم الخصال مالم يجمع لغيره إلا في القليل النادر على مر الأزمان.
ماذ يقول الواصفون له
وصفاته جلَّت عن الحصر
علم في حلم، وحزم في عزم، وتواضع في شَمم، وغيرة على الحق لا تكفكفها رغبةٌ في مدحٍ، أو حذرٌ من ذم، ووضاءة أخلاق في متانة دين، وبراعة بيان في صدق يقين، وعزة نفس في سخاوة طبع، حتى لكأن البحتري يعنيه بقوله:
فلك الفضائل من فنون محاسنٍ
بيضًا لأفراط الخلاف وشيما
جُمِعَتْ عليك وللأنام مفرقٌ
منها فأفراد قُسِمْنَ وتوما
ما نال ليثُ الغابِ إلا بعضَها
حتى رعى مُهَجَ النفوسِ جميما
شاركته في البأس ثم فَضَلْتَهُ
بالجود محقوقًا بذاك زعيما