وإذا اجتمعت تلك الخصال في شخص ما_فاعلم أن وراء ذلك عظمة؛ فانسج بعد ذلك من برود الثناء ما شئت دونما شطط، ثم أهدها لتلك العظمة الحقة.
ولئن كان أكثر العظماء يتوهج في مقتبل عمره ثم يذوي بعد ذلك ويذبل_فإن شيخنا×لا تطّرد هذه القاعدة في حقه.
بل هو كالعود الهندي لا يزيده تقادم الأيام إلا زكاءً وطيبًا، وكمالًا، وجلالًا؛ فمآثره تتجدد، وهمته تعلو وتسمو، وذاكرته تقوى وتزداد سنة بعد سنة، وتضلعه بالمسؤوليات، وقيامه بالتبعات يتضاعف يومًا بعد يوم، وأياديه البيضاء تَسِحُّ بالعطاء إثر العطاء، وعلمه يزدان ويزداد، والثقة به، والقبول له بازدياد واطراد؛ فبقي حاضرًا متوهجًا، معطاءً حتى آخر لحظة من عمره.
الله أكبر! عبادة لله حتى اليقين، وحياة عامرة بالعمل المجيد حتى طويت كطيِّ السجل للكتب.
تلك حياة فقيد الأمة الذي سكنت أنفاسه، وحسامه مُخَضَّب بدم الجهاد في سبيل الحق؛ فلم يمُتْ على فراشه ملقي السلاح كما يموت ضعيف العزيمة مزلزل الإيمان.
بل لقد كان لسانه بالحق قوَّالًا، وعزمه في دحض الباطل صوّالًا، وفكره في هموم الأمة ومصالحها جوَّالًا.
وبعد أن رحل عن الدنيا أبقى لنا سيرة غراء، وذكرًا أطيب من ريح المسك.
فذٌّ عزيزُ المِثل جوهرُه
زاكٍ كأنفاس الشذَّا بَرُّ
غالٍ على المُهَجات حاليةٌ
بجهاده الآثارُ والعُصْرُ
مُتفَرِّدٌ بخلائقٍ غُرَرٍ
بجمالها يتفاخر الفخرُ
في كل صالحة له خبرٌ
ولكل محمدة له صُوْرُ
صافٍ كماء المزن ظاهره
كضميره وكسرِّه الجهر
عَلَمٌ على الذُّرُوات رفَّ كما
رف السنا وتلامح النُّوْر
العلمُ ملءُ جنانه دُفَقٌ
والعقل خلف لسانه وَقْرُ
تتألق الفصحى على فمه
زهوًا كما يتألق البدرُ
عالٍ على الأهواء مُتِّشِحٌ
بِحِجًَا له في لمحه غوْرُ
مصباحه الفرقان يتبعه
أنى أشارات آيُهُ الزُّهْرُ
ينحو ويسلك ما تفهَّمه
منه النبيُّ وصحبه الغُرُّ
ويقيم من مالوا به جنفًا
حتى يثوب إلى الهدى الصُعْرُ