فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 420

وليس معنى ذلك، أن تلك القضايا لا تتحرك معه، أو أنه لا يأْبَه لها، وإنما كان يعطي كل مشكلة قدرها، ولا يحمِّل أحدًا ذنب أحد؛ فإذا جلس أحد إلى سماحته ظن أنه خَلِيٌّ من الهموم، والشواغل؛ لأنه يقبل بِكُلِّيته على محدثه، وجليسه.

ولقد وطَّن سماحته نفسه على هذا الخلق العظيم؛ فكان ذلك من أعظم ما يعينه على القيام بالمسؤوليات.

بخلاف حال أكثر الناس؛ حيث تراهم إذا كدَّر عليهم مُكدرٌ نال الغضب منهم مناله، وامتدت إلى من حولهم، وإلى كل من يتصل بهم من زملاء، وأهل، وأولاد، واستمرت معهم تلك الحالة يومهم ذلك، وربما زادت مدة التكدر.

ولو كان سماحة الشيخ على مثل هذه الحال لانْهدم، ولتصدعت قناته، وفترت همته.

ولكنه كان كالجبل تصطدم به العوادي، وتعود أدراجها، وهو ثابت لا يتزحزح.

ولهذا نعجب منه أشد العجب؛ ففي كثير من الأحيان تأتيه قضايا، وتعرض عليه مشكلات تشيب لهولها نواصي الولدان، ويحضر اجتماعات على أعلى المستويات، وتجتمع لديه أعمال كالجبال، فنقول: حُطِم سماحته، ولن يقوم بقية يومه بشيء من العمل؛ فما يروعنا إلا أنه إذا خرج من اجتماع، أو استمع إلى قضايا، أو مشكلات، ثم اتخذ ما يراه حيالها_أقبل على عمله الجديد بهمة ونشاط سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، فربما قدم إليه ضيف فسامره ولاطفه، وربما قال: أعطونا الكتاب الفلاني؛ فنشرع بقراءته، وربما قال: اتصلوا بفلان، أو ابحثوا عن المسألة الفلانية.

وإذا كان لديه موعد ذهب إليه، وإن كانت عنده محاضرة ذهب لإلقائها، مع أننا نتوقع أحيانًا أن ذهنه قد تَشَوَّش، وأن نفسه قد تكدرت عليه، ولكننا نفاجأ بخلاف ذلك تمامًا.

وليس أدل على ذلك من حاله إبان المرض كما سيأتي بيان ذلك في موضعه.

والشهم من عانى الخطوب وراضها

فغدت أرقَّ من النسيم مسيسا

لا فخر في الدنيا بغير عزائم

تفري الحديد ولا تهاب وطيسا

وإذا الرويَّةُ أيقظت عزمَ الفتى

ملأت معاليه الفخامُ طروسا (12)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت