فهرس الكتاب
لقد عُرف عن سماحة الشيخ أنه كان رمزًا ومثالًا للعدل، والإنصاف؛ فكثيرًا ما تكون كلمته هي الفصل بين الأطراف المتنازعة، في كثير من الشؤون.
والناس على اختلاف طبقاتهم يرضون بحكمه؛ لعلمهم بتجرده وتقواه.
ومن مظاهر العدل عنده أنه إذا قرئ عليه كتاب، أو سمع كلامًا لأحد من الناس، أو سمع عن أي أحد شيئًا_سمعه وكأنه خالي الذهن عن معرفة ذلك القائل أو الكاتب؛ فحكم عليه بما يستحق ثناءًا، أو نقدًا، أو غير ذلك؛ فلا تأخذه معرفة الإنسان وقربه من سماحته إلى مجاملته، والتغاضي عن أغلاطه، ولا يأخذه الجهل به، أو مخالفته أو بعده، أو كثرة كلام الناس فيه_إلى رد ما عنده من صواب.
بل يقبل الحق، ويثني عليه ولو كان من أبعد الأبعدين.
وكثيرًا ما كنت أقرأ عليه في كتب لأناس قريبين إليه، بل ربما كانوا من خاصة محبيه، ومع ذلك ربما كتب على الكتاب عددًا كثيرًا من الملحوظات والاستدراكات.
والعكس من ذلك؛ حيث أقرأ عليه بعض الأحيان في كتب يطلب قراءتها لأناس مخالفين، فإذا قرأها تجرد من كل هوى، وقَبِل ما فيها من حق، بل ربما أثنى على بعض المواضيع فيها، وإذا رأى ملحوظة أشار إليها، ونقل الدليل على خطئها، أو ساق ما يراه، أو أبدى الوجه الأَوْلى في المسألة التي تدور حولها الملحوظة.
بل ربما ردَّ عليه أحد من الناس، أو ناقشه في مسأله ما_فلا تراه يغضب لذلك بل يستمع لمن يرد عليه بكل هدوء وارتياح، وربما رجع عن قوله إذا رأى وجاهة الرد، وربما قال: نَتَّهم رأينا، نراجع الموضوع، أو المسألة مرة أخرى.
وربما ناقشه بعض الناس بصلف، وجهل، وغرور، وسماحته لا تفارقه سكينته، بل يتلطف بمن يناقشه، ويأخذه بالتي هي أرفق.
ومما يحضرني في هذا القَبيل أنه في يوم خميس من عام 1418هـ وفي مدينة الطائف، جاء رجل إلى سماحة الشيخ، ويظهر على هذا الرجل العجلة، والاعتداد بالنفس، واعتقاده في نفسه أنه حافظ للنصوص، وأنه يُحْسَب على طلبة العلم الكبار.