فهرس الكتاب
فلما جلس أمام سماحة الشيخ جعل يسأل سماحتَه أسئلةً كثيرة، والمجلس مليء بالحاضرين، وكلما أجابه سماحة الشيخ قال ذلك الرجل: هذا هو رأيي، هذا يوافق ما عندي، فكان يسأل والشيخ يجيبه على هذا النحو برحابة صدر وانشراح بال، ثم انتقل الجميع إلى مجلس الطعام للغداء، وذلك الرجل لم ينقطع عن الأسئلة، والشيخ يجيبه وهو يأكل؛ فظهر التكدر والامتعاض على وجوه الحاضرين.
ولكن الشيخ لم تفارقه سكينته ولا طمأنينته.
وبعد انتقال سماحة الشيخ إلى الرياض جاء ذلك الرجل إلى سماحة الشيخ، وقال: قد أمرني مرجعي بعدم الافتاء، وعدم مخالفة سماحتكم، والمفتين المعتبرين، وقد قلت لمرجعي: إذا ثبت لدي ما يخالف الشيخ فأنا أفتي به، ولا يجوز لي تقليد الشيخ، فما رأي سماحتكم؟
فقال سماحة الشيخ: هذا هو الصحيح، لا تقلدني، ولا تقلد غيري إذا وُجِد دليل يخالف.
قال: يا شيخ أرجو أن تكتب لي كتابًا بهذا المعنى.
فبدأ سماحة الشيخ يملي: (من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى الأخ المكرم صاحب الفضيلة فلان بن فلان أما بعد: فلا يجوز تقليدي ولا تقليد غيري من طلبة العلم إذا ثبت لديك ما يخالف ما أفتي به أو غيري) .
وبعد ذلك قال ذلك الرجل: يا شيخ أنا حضرت درسك اليوم بعد صلاة الفجر، وقد سُئلتَ عن كذا وكذا، وأجبتَ السائل بكذا وكذا، وأخطأتَ في الإجابة، فابتسم سماحة الشيخ×وقال: دليل ما قلتُ حديث في صحيح مسلم، وهذا نصه، فسكت ذلك الرجل، وكان عند سماحة الشيخ أحد طلبة العلم، فتغير، وغضب، وكاد ينهر ذلك الرجل.
ومن عدله وتجرده أنه إذا قرىء عليه لعالم أو كاتب ما، وأحس من القارىء تذمرًا، أو سمع منه كلمة فيها فضاضة أو غلظة تقال في حق المقروء له_أظهر سماحتُه احترام ذلك المقروء له، وأثنى عليه بما هو أهله، وقال: فيه خير كثير، وليس معصومًا، ولسنا معصومين، وكلنا ذوو خطأ، وهذه صفات البشر.