= هي سبب التواصل، قال - جل وعلا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... } [1] يعني: فبرحمة من الله لنت لهم، و {ما} في هذه الآية صلة لتأكيد الجملة، وهي التي تسمى: الزائدة لزيادة التأكيد، فالدعاء هذا ناتج عن الرحمة، وهكذا ينبغي للمعلم والداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكونوا رحماء بالخلق، رؤوفين بهم، كما وصف - جل وعلا - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [2] وقال: { ... بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [3] إلى غير ذلك، وقال ابن القيِّم - في وصف حال الداعي إلى الله مع أهل المعصية وأهل النفور من الحق:
واجعل لوجهك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن
وحتى حين توقع الحدود وتُطبّق، فإنها تُطبّق على وجه الرحمة، لا على وجه الانتقام رحمة بهذا الذي استحق العقوبة أن تسلّط عليه إبليس، وجعله مستحقًا لذلك، كأسيرٍ من أحبابك إذا وقع في أيدي العدو.
فهذا التقديم بالدعاء من الإمام - رحمه الله - فيه التنبيه على ذلك، وكان مما دعا به أنه سأل الله - جل وعلا - أن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، وهؤلاء الثلاثة عنوان السعادة:
إذا أعطي شكر؛ لأن العطاء من الله - جل وعلا - نعمة، والله - جل وعلا - يحب ... الشاكرين من عباده، والشكر يكون بلسان المقال، ويكون بالعمل، قال - تعالى: { ... أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ ... } [4] أي: بالمقال وبالعمل، وقال - تعالى: { ... اعْمَلُو~ا ءَالَ دَاوُودَ ... شُكْرًاج ... } [5] هذا من جهة العمل، وقال - تعالى: { ... وَاشْكُرُوا لِى وَلاَ تَكْفُرُونِ} [6] وهذا يشمل القول والعمل؛ ولهذا اختلف وافترق الشكر عن الحمد، فالشكر يكون عن نعمة، وأما الحمد فيكون لنعمة أو في مقابل
(1) - سورة آل عمران بداية الآية 159.
(2) - سورة الأنبياء الآية 107.
(3) - سورة التوبة آخر الآية 128.
(4) - سورة لقمان بعض الآية 14.
(5) - سورة سبأ بعض الآية 13.
(6) - سورة البقرة آخر الآية 152.