نعمة، وقد لا يكون، بأن يكون ثناءً مبتدءًا، ويكون باللسان دون العمل في فروق معروفة عند أهل العلم، وهذا مما ينبغي تدبره، وهو أن العبد يجب عليه - إذا أعطي =
= عطاءً - أن يشكر عليه الله - جل وعلا -، وشُكر العطاء - كما ذكرنا - يكون بالقول والعمل، أما كونه بالقول فبأن ينسب العطاء إلى من أعطاه، وأن يثني عليه به، وألا يلتفت فيه إلى غيره: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ... } [1] {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ... } [2] ، وأما كونه بالعمل، فبأن يستعمل النعم فيما يحب من أنعم بها وأسداها، وهذا مما يحبه الله - جل وعلا - بل من عظيم ما يحبه الله من العبادات أن يكون العبد شاكرًا؛ ولهذا قال: { ... وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ... الشَّكُورُ} [3] وقال - سبحانه: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍج إِنَّهُو كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [4] يعني: يا ذرية من حملنا مع نوح {إنهو كان عبدًا شكورًا} يعني: كان كثير الشكر لله - جل وعلا -. قال أهل التفسير: كان إذا أكل الأكلة شكر الله عليها، وإذا شرب الشربة شكر الله عليها، وإذا اكتسى شكر الله على ذلك، يعني: أنه يتبرأ من كل حول وقوة فيما جاءه من النعم، أو فيما يَسُرُّه، ويعترف بأنها من الله - جل وعلا -.
وباب الشكر له صلة بالتوحيد، وكأن الإمام - رحمه الله - حين ذكر الشكر على العطاء، والصبر على البلاء، والاستغفار من الذنب، كأنه نظر إلى حال الموحد، وخاطبه بما يجب أن ... يكون عليه دائمًا؛ فإن الموحد أنعم الله عليه بنعمة لا تعدلها نعمة، ألا وهي جَعْلَهُ على الإسلام الصحيح، والتوحيد الخالص الذي وعد الله أهله بالسعادة في الدنيا والآخرة، ولابد للموحد من ... ابتلاء، فسأل الله له أن يجعله ممن إذا ابتلي صبر، والابتلاء قد يكون من جهة الأقوال التي قد توجه إليه، وقد يكون من جهة البدن، وقد يكون من جهة المال أو غير ذلك.
قال: وإذا أذنب استغفر؛ لأن الموحد لابد أن يكون معه شيء من الإعراض، ولابد أن يقع في الذنب إما من الصغائر وإما من الكبائر، والله - جل وعلا - من أسمائه الغفور، ولابد أن يظهر أثر ذلك الاسم في بريته وملكوته؛ ولهذا يحب الله من عبده الموحد المخلص أن يكون دائم الاستغفار، ولابد للموحد من ذلك، والعبد إذا ترك الاستغفار جاءه الكبر.
(1) - سورة النحل بداية الآية 53.
(2) - سورة النحل بداية الآية 83.
(3) - سورة سبأ آخر الآية 13.
(4) - سورة الإسراء الآية 3.