والكبر يحبط كثيرًا من العمل؛ ولهذا قال هنا: وإذا أذنب استغفر، وهذه الخصال الثلاث عنوان السعادة، وهي متلازمة في حال كل موحد، وهي الشكر على العطاء، والصبر على البلاء، والاستغفار من الذنب والعصيان. وكلما عظم عند العبد معرفته بربه عظم هذه الثلاث، وكلما =
اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن الحنيفية ملّة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين، كما قال - تعالى -: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [1] .
فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة.
فإذا عرفت أن الشرك - إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار - عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك؛ لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة، وهي الشرك بالله الذي قال الله - تعالى - فيه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُج} [2] ، وذلك بمعرفة أربع قواعد، ذكرها الله - تعالى - في كتابه.
= عظم التوحيد في القلب عظمت هذه الثلاث، حتى يصير العبد لا يرى سوى الله - جل وعلا - في استحقاق شيء من أعماله وتصرفاته، فإن غفل في ذلك كان استغفاره استغفار الذي لا يفقه؛ ولهذا كان - عليه الصلاة والسلام - يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة [3] ، وفي رواية في الصحيح"أنه كان يستغفر الله في المجلس الواحد سبعين مرة" [4] .
والموحد معرض لخطر الغرور، كأن يغتر بأنه من أهل التوحيد، أو من المحققين لاتباع السلف، أو ممن علم هذا العلم، ثم لا يكون في قلبه من الخضوع والذل الذي يعلمه الله منه ما يكون سببًا لقبول هذه الوسيلة، وهي وسيلة التوحيد لله - جل جلاله -، وشأن الله أعظم، وما طلبه من عباده يعد شيئًا قليلًا؛ ولهذا عظم أمر التوحيد، وقبّح جدًا الشرك وما جرّ إليه.
(1) - سورة الذاريات الآية 56.
(2) - سورة النساء بداية الآية 116.
(3) - رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ح (4871) ، وأبو داود في الصلاة، باب في الاستغفار ح (1294) ، وأحمد ... في المسند في مسند الشاميين ح (17173) ، (17176) كلهم من حديث الأغر المزني.
ورواه الترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة محمّد ح (3182) ، وابن ماجه في الأدب، باب الاستغفار ح (3805) كلاهما من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا.
(4) - رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب استغفار النبي في اليوم والليلة ح (5832) ، والترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة ... محمّد ح (3182) كلاهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا.