فمن عيوب بعض الدراسات التي نَوّهْتُ ببعضها آنفًا أنها كانت بحوثًا من غير المتخصصين في علم الحديث (ولا أقصد بذلك الشهادات والألقاب إنما أقصد الحقائق) ، فجاءت في بعض الأحيان غير مراعية لتلك الفروق في منهج التعامل التي كان المحدثون يراعونها فخالفوا بذلك منهج الذين أرادوا تطبيق منهجهم!
ومن أصرح العبارات التي تدل عل ذلك النهج الحديثي: الباب الذي عقده الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) : (2/ 316 - 320) ، بعنوان: (ما لا يفتقر كتْبُه إلى إسناد) . ومما جاء فيه قول الخطيب: (( وأما أخبار الصالحين، وحكايات الزهاد والمتعبدين، ومواعظ البلغاء، وحكم الأدباء = فالأسانيد زينة لها، وليست شرطا في تأديتها ) )ثم أسند الخطيب إلى يوسف الرازي أنه قال: (( إسناد الحكمة وُجودُها ) ). وأسند عن ابن المبارك أنه سئل: (( نجد المواعظ في الكتب، فننظر فيها؟ قال: لا بأس، وإن وَجدتَ على الحائط موعظة فانظر فيها تتعِظ. قيل له فالفقه؟ قال: لا يستقيم إلا بسماع ) ).
ثم أسند الخطيب قصة رجل خراساني كان يجلس عند يزيد بن هارون فيكتب الكلام ولا يكتب الإسناد، فلما لاموه على ذلك قال: (( إن كان الذي كتبه الخراساني من أخبار الزهد والرقائق وحكايات الترغيب والمواعظ فلا بأس بما فعل، وإن كان من أحاديث الأحكام وله تعلق بالحلال والحرام فقد أخطأ في إسقاط إسناده؛ لأنها هي الطريق إلى تثبته، فكان يلزمه السؤال عن أمره والبحث عن صحته ) ).
وفي هذا السياق أشير إلى قضية مهمة، ربما غفل عنها كثيرون وهي أن لعلماء كل علم طريقتهم الخاصة في نقد علمهم، وفي الفحص عن صحة منقولهم ومعقولهم. ومن الخطأ الفادح أن نخلط بين معايير النقد المختلفة بين كل علم وآخر؛ لأن ذلك سيؤدي إلى هدم تلك العلوم!!
وأضرب على ذلك مثلا:
لو جئنا إلى الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام، بل عموم دواوين الشعراء، خاصة في عصر الاحتجاج اللغوي، وأردنا أن نطبق عليها منهج المحدثين في نقد السنة = هل سنزيد إلا أن نهدم لغة العرب، بأعظم مما أراد أن يهدمها به طه حسين!!!