الصفحة 3 من 7

ذلك أن لأئمة اللغة معاييرهم الصحيحة الكافية لنقد علمهم، ولهم طرائقهم لفحص المنقول من اللغة. وقد بذلوا في ذلك جهودا عظيمة، أدوا بها الأمانة العظمى الملقاة على عواتقهم، خدمة للغة القرآن والسنة.

وفي هذا المجال أذكر بضرورة تعظيم أئمة كل علم في علمهم، واحترام تخصصات أصحاب التخصصات، فلا نزاحمهم ما دمنا لسنا من أصحاب ذلك العلم. خاصة أولئك الأعلام، من علماء علوم الإسلام على اختلاف فنونها.

أقصد من ذلك كله أن أبين: أن منهج المحدثين لأن كان هو المنهج الوحيد الذي يصح به نقد المنقول المتعلق بالدين، فإنه لا يلزم أن يصح في نقد بقية العلوم وإن شابهته من جهة إبراز أسانيد لبعض منقولاتها. فليس كل إسناد نراه يعني أنه وسيلة نقد ذلك المنقول بتطبيق منهج المحدثين الذي ينقلون به أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإسناد كان سمة من سمات علوم الإسلام كلها، فإبرازه لم يكن دائما لأجل الاعتماد الكلي عليه في نقد ذلك المنقول. وبناء على ماسبق ذكره، من أن المحدثين فرقوا بين منهج نقد السنة ومنهج نقد الأخبار، فإني أجد هذه مناسبة حسنة للتأكيد على معنى معين، يعين على معرفة الصواب في هذه المسألة المنهجية، وهو أن منهج المحدثين في نقد السنة تميز بشدة الاحتياط والمبالغة في التحري والريبة من كل شيء، ولولا أن عناية الأمة في تلك الحقبة بالسنة من جهة نقلها وتعلمها وتعليمها وحفظها وكتابتها كانت عناية عظيمة تفوق الوصف، حيث كانت هي همهم الأكبر وشغلهم الشاغل = لكان ذلك المتشدد المبالغ المرتاب سببا لإخراج شيء من صحيح السنة عنها. لكن تلك العناية البالغة بالنقل، وفرت للمحدثين فرصة ذلك التشديد في النقد، دون أن يضيع ذلك شيئا من السنة ... وتلك حكمة بالغة!!

ومن هذا الملحظ تعلم ان هذا المنهج المتشدد على غير السنة فيه جور على ذلك العلم المنتقد به؛ لإن التثبت من صحة المنقول فيه لايحتاج إلى كل ذلك التشديد في النقد، ولن نجد من عناية الأمة بمنقول ذلك العلم مايكون رصيدا كبيرا صالحا لذلك التشديد، دون أن يؤدي ذلك إلى تضييع بعض الثابت من ذلك المنقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت