الصفحة 4 من 7

وأقصد من ذلك كله بيان أن التخفف من نقد المنقولات من غير السنة لا يعني أننا سنثبت بذلك غير الثابت، ولكن يعني أننا سنضع كل منقول في ميزانه الكافي لتمييز ثابته من غير الثابت منه.

ولكي أنزل من هذا التنظير الجاف، إلى التمثيل الحي القريب إلى كل ذهن؛ أقول: هب أنك سمعت أحد جلة العلماء ممن تعظمهم النفوس تقوى وعلما يحكي لك خبرا عن أحد أشهر شيوخ شيوخه وأعلمهم، يتضمن هذا الخبر أمرا غير مستنكر عن علم ذلك الشيخ، ويقول في ذكره لهذا الخبر: سمعت جماعة من شيوخي يحكونه عن ذلك الشيخ = هل ستشك في صحة هذا الخبر، بحجة الجهالة بحال شيوخ هذا العالم الذي سمعته؟!

وزيادة في التقريب: لو سمعت الشيخ ابن باز (عليه رحمة الله) يقول: سمعت جماعة منشيوخي يقولون أن العالم الفلاني كان كذا وكذا، هل سنجد في نفوسنا ريبة من ذلك الخبر؟!

فما بالنا لما قال بن عدي (وهو الإمام الفحل) : (( سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري(رحمه الله) قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ... ))إلى آخر الخبر المشهور = انبرى أحد المعاصرين لنقد هذه القصة، بحجة الجهالة بحال شيوخ ابن عدي؟!!

والحال أن علم البخاري أعظم من هذه القصة، وأن ابن عدي يروي عن جماعة من تلامذة البخاري!!! ولو أراد بن عدي (وهو الحافظ المسند) أن يسند هذا الخبر عن بعضهم لفعل، لكنه كان يظن أن مثل هذا السياق .. (( سمعت عدة مشايخ يحكون ) )أقوى ثبوتا لمثل هذا الخبر من مثل أن يسنده عن واحد أو آحاد منهم؛ لأن منهج نقده غير منهج نقد السنة!

وبعد هذا البيان كله، أصل إلى بيان الضابط الذي يمكن من خلاله التشديد في نقد الأخبار والقصص بمنهج المحدثين، أو عدم التشديد والاكتفاء بمناهج نقد أخرى تكفي في مثلها للتوثق والتحري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت