لهم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الثناء والحكم بالعدالة. فلا بد من تمحيص تلك الأخبار، خاصة أنها أيضا كانت مجالا رحبا لأصحاب الأهواء وأمراض النفوس من أهل الغل والحقد على دين الله تعالى وعلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للتقول والافتراء.
على أنه يمكن أن نعامل الأخبار المتعلقة بالفتنة أو ما كان بنحوها بمنهج وسط، وهو أنه إذا ثبت عندنا - بالمنهج الحديثي المحتاط - أصل خبر من الأخبار، أن نتمم جوانب هذا الخبر بتفاصيل من بقية الأخبار، بشرط أن لا يكون في تفاصيل تلك الأخبار شيء يعارض الحكم الثابت لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الخيرية والعدالة والفضل، وأن لا يعارض أصل الخبر الثابت أيضا.
والمثال الواقعي لذلك: أنني كنت من سنوات كثيرة قد درست الأخبار الواردة في قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه مع مالك بن نويرة في حروب الردة، وهي قصة شهيرة، نسج عليها الأفاكون وأذنابهم من المستشرقين قصصا شنيعة. فوجدت أن أحد الباحثين رد القصة بالكلية، وخرج بنتيجة وهي أن مالك بن نويرة كان مرتدا كافرا، وأنه قتل بسيف الشرع، مع أن مالك بن نويرة رضي الله عنه لم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، وهذا هو الظاهر من شأنه.
وبد دراسة أسانيد الخبر، تبين لي أنه لا يصح منها إلا إسناد واحد، أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (105) ، يقول فيه ابن عمر رضي الله عنهما: (( قدم أبو قتادة على أبي بكر، فأخبره بمقتل مالك وأصحابه. فجزع من ذلك جزعا شديدا، فكتب أبو بكر إلى خالد، فقدم عليه. فقال أبو بكر: هل يزيد خالد على أن يكون تأول فأخطأ؟ ورد أبو بكر خالدا، وودى مالكا بن نويرة، ورد السبي والمال ) ).
فهذا الخبر على وجازته: أثبت أصل القصة، ووضع كل أمر في نصابه، واعتذر لخالد رضي الله عنه، ونفى تلك التهمة القبيحة عن مالك بن نويرة بدفع أبي بكر ديته إلى أوليائه.
يبقى أن في بقية الأخبار تفاصيل أخرى، لا يمكن أن نفهم الخبر السابق بغير الإطلاع عليها! فما العمل تجاهها؟