الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيد المجاهدين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد ، فرضي الله عن أبي الدرداء يوم قال:"لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: مُنصف واع ، أو مُتكلم عالم".
قلت: أما اجتماع الإنصاف مع الوعي ، فعزيز في هذا الزمان ، وأما الكلام مع العلم ، فقد ولى زمانه والله المستعان ، خاصة بعد ما أسند الأمر لغير أهله !! .
فقد صار الكلام للكلام ، ولإظهار البيان .
فرحم الله الشاعر حيث قال:
استر العِيَّ ما استطعت بصمت إن في الصمت راحة للصَّمُوتِ
واجعل الصمت إن عييت جوابا رُبّ قول جوابه في السكوت
فمن يتأمل ما يطرح هنا وهناك عبر وسائل الإعلام المختلفة ، من صحف ومجلات وقنوات ، وما يصدر عن بعض العلماء والدعاة ، وما يسطره بعض الكُتّاب في المنتديات يجد أننا في حاجة ماسة لتعلم"فقه الصمت والسكوت"كحاجتنا لفقه المنطق والبيان .
وكما قيل: العافية عشرة أجزاء ، تسعة منها في السكوت .
ولست أعني بمقالي هذا الحث على السكوت من باب حفظ اللسان عن فضول الكلام طلبا لرضى الرحمن ؛ لأن هذا مبحث شرعي لا يخفى عن العامة والخاصة ، ولكن ما نحن بصدده هو تنبيه أصحاب الأقلام والفتاوى السياسية من خطر الانزلاق في فخ أعدّه أعداء الله من الكفار والمنافقين بغية الوقيعة بين أبناء الأمة ، وإشغالهم بأنفسهم بإلقاء شبهات شرعية وعقلية وسياسية في مسلمات يعم بها البلاء .
فالكلام بغير وعي أو علم بصورة عامة سواء في الشرع أو السياسة غالبا ما يؤول إلى فتنة دهيماء ، تزرع الشقاق والفرقة بين المسلمين ، ويستثمرها أعداء الصحوة والدين .
وأعني بالوعي والعلم هنا هو الوعي والعلم الشامل ، الجامع لعلم الشرع والسياسة والاقتصاد وفقه الواقع .
فلا يصح الخوض في مسائل سياسية كبيرة دون الإلمام بالعلم الشرعي المبني على الكتاب والسنة الصحيحة ، والعلم الراسخ بحقائق وخفايا الأمور ، ومعرفة كيف يفكر المتربصون بالأمة ، واستشراف المستقبل .
لذلك نحن ننتقد بشدة الفتوى والحسبة في المسائل المتعلقة بالسياسة عندما تصدر من عالم أو طالب علم غير ملم بحقيقة ما يدور وراء الكواليس ، فمن شروط الفتوى والحسبة: العلم والمعرفة ، والمقصود بالعلم والمعرفة هنا الإحاطة الكاملة بالموضوع المستفتى فيه من جميع جوانبه .
ومما يؤكد حاجتنا الملحة لفقه السكوت أحيانا ما سمعته منذ فترة من الأخ الأردني المعتقل السابق في جوانتانامو"وسام عبد الرحمن"في مقابلة خاصة مع"قناة الجزيرة"، فقد صرح بأن سجانيه عباد الصليب الأمريكان عرضوا عليه طائفة من فتاوى بعض أهل العلم المشهورين ، وقالوا له: هذه فتاوى مشايخكم التي يجب عليكم الالتزام بها !!!
فقد هالني هذا الأمر ، وذكرني بما قاله عبد الله بن حسن لابنه وهو ينصحه:"يا بني احذر الجاهل ، وإن"