فهرس الكتاب
وسميت الديانة شريعة على التشبيه؛ لأن فيها شفاءَ النفوس وطهارتَها.
والعرب تشبه بالماء وأحواله كثيرًا. 6/223
23_ والمنهاج: الطريق الواسع، وهو هنا تخييل أريد به طريق القوم إلى الماء، كقول قيس بن الخطيم:
وأتبعت دلوي في السماح رشاءها
فذكر الرشاء مجرد تخييل، ويصح أن يجعل له رديف في المشبه بأن تشبه العوائد المنتزعة من الشريعة، أو دلائل التفريع عن الشريعة، أو طرق فهمها بالمنهاج الموصل إلى الماء؛ فمنهاج المسلمين لا يخالف الاتصال بالإسلام، فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء. 6/223
24_ وقوله: [ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ] أي بعد ذلك الضلال والإعراض عن الرشد، وما أعقبه من سوء العمل والفساد في الأرض.
وقد استفيد من قوله: [أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ] وقوله: [ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ] أنهم قد أصابتهم الفتنة بعد ذلك العمى والصمم، وما نشأ عنها عقوبة لهم، وأن الله لما تاب عليهم رفع عنهم الفتنة، ثم عموا وصموا، أي عادوا إلى ضلالهم القديم وعملهم الذميم؛ لأنهم مصرون على حسبان أن لا تكون فتنة، فأصابتهم فتنة أخرى.
وقد وقف الكلام عند هذا العمى والصمم الثاني، ولم يذكر أن الله تاب عليهم بعده، فدل على أنهم أعرضوا عن الحق إعراضًا شديدًا مرة ثانية فأصابتهم فتنة لم يتب الله عليهم بعدها.
ويتعين أن ذلك إشارة إلى حادثين عظيمين من حوادث عصور بني إسرائيل بعد موسى _عليه السلام_ والأظهر أنهما حادث الأسر البابلي؛ إذ سلط الله عليهم بختنصر ملك أشور فدخل بيت المقدس مرات سنة 606 وسنة 598 وسنة 588 قبل المسيح، وأتى في ثالثتها على مدينة أورشليم؛ فأحرقها، وأحرق المسجد، وحمل جميع بني إسرائيل إلى بابل أسارى، وأن توبة الله عليهم كان مظهرها حين غلب كورش ملك فارس على الآشوريين، واستولى على بابل سنة 530 قبل المسيح، فأذن لليهود أن يرجعوا إلى بلادهم، ويعمروها؛ فرجعوا وبنوا مسجدهم.