فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 864

15_ واعلم أن تفضيل الأوقات والبقاع يشبه تفضيل الناس؛ فتفضيل الناس بما يصدر عنهم من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكريمة، وتفضيل غيرهم مما لا إرادة له بما يقارنه من الفضائل الواقعة فيه، أو المقارنة له؛ فتفضيل الأوقات والبقاع إنما يكون بجعل الله _تعالى_ بخبر منه، أو بإطلاع على مراده؛ لأن الله إذا فضَّلها جعلها مظانَّ لِتَطَلُّب رضاه، مثل كونها مظانَّ إجابةِ الدعوات، أو مضاعفة الحسنات، كما قال _تعالى_: [لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ] أي من عبادة ألف شهر لمن قبلنا من الأمم.

وقال النبي": =صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام+."

والله العليم بالحكمة التي لأجلها فضل زمن على زمن، وفضل مكان على مكان، والأمور المجعولة من الله _تعالى_ هي شؤون وأحوال أرادها الله؛ فَقَدَّرها؛ فأشبهت الأمور الكونية، فلا يبطلها إلا إبطال من الله _تعالى_ كما أبطل تقديس السبت بالجمعة.

وليس للناس أن يجعلوا تفضيلًا في أوقات دينية؛ لأن الأمور التي يجعلها الناس تشبه المصنوعات اليدوية، ولا يكون لها اعتبار إلا إذا أريدت بها مقاصد صالحة؛ فليس للناس أن يغيروا ما جعله الله _تعالى_ من الفضل لأزمنة أو أمكنة أو ناس. 10/184

16_ فكون عدة الشهور اثني عشر تحقق بأصل الخلقة؛ لقوله عقبه: [فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ] .

وكون أربعةٍ من تلك الأشهر أشهرًا حرمًا تحقق بالجعل التشريعي للإشارة عقبه بقوله [ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ] .

فحصل من مجموع ذلك أن كون الشهور اثني عشر وأن منها أربعة حرمًا اعتبر من دين الإسلام، وبذلك نُسِخَ ما كان في شريعة التوراة من ضبط مواقيت الأعياد الدينية بالتاريخ الشمسي، وأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية. 10/185

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت