فهرس الكتاب
17_ والنسيء: يطلق على الشهر الحرام الذي أُرْجِئَت حُرْمَتُه، وجعلت لشهر آخر؛ فالنسيء فعيل بمعنى مفعول من نسأ المهموز اللام، ويطلق مصدرًا بوزن فعيل مثل نذير من قوله [فَكَيْفَ كَانَ نَذِيْر] .
ومثل النكير والعذر [1] وفعله نسأ المهموز، أي أَخَّر؛ فالنسيء بهمزة بعد الياء في المشهور، وبذلك قرأه جمهور العشرة، وقرأه ورش عن نافع بياء مشددة في آخره على تخفيف الهمزة ياء وإدغامها في أختها، والإخبار عن النسيء بأنه زيادة إخبار بالمصدر كما أخبر عن هاروت وماروت بالفتنة في قوله: [إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ] .
والنسيء عند العرب: تأخيرٌ يجعلونه لشهر حرام؛ فَيُصَيِّرونه حلالًا، ويحرمون شهرًا آخر من الأشهر الحلال عوضًا عنه في عامه.
والداعي الذي دعا العرب إلى وضع النسيء أن العرب سَنَتُهُم قَمَرِيَّةٌ تبعًا للأشهر، فكانت سَنَتُهم اثني عشر شهرًا قمرية تامة، وداموا على ذلك قرونًا طويلة ثم بدا لهم؛ فجعلوا النسيء.
وأحسن ما روي في صفة ذلك قول أبي وائل [2] أن العرب كانوا أصحاب حروب وغارات، فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها؛ فقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئًا لنهلكن.
وسكت المفسرون عما نشأ بعد قول العرب هذا، ووقع في بعض ما رواه الطبري والقرطبي ما يوهم أن أول من نسأ لهم النسيء هو جنادة بن عوف وليس الأمر ذلك؛ لأن جنادة بن عوف أدرك الإسلام وأَمْرُ النسيءِ مُتَوَغِّلٌ في القدم.
والذي يجب اعتماده أن أول من نسأ النسيء هو حذيفة بن عبدنعيم أو فقيم _ولعل نعيم تحريف فقيم؛ لقول ابن عطية اسم نعيم لم يعرف في هذا_ وهو الملقب بالقَلَمّس؛ ولا يوجد ذكر بني فقيم في جمهرة ابن حزم، وقد ذكره صاحب القاموس وابن عطية.
(1) _ لعله: العذير. (م)
(2) _ هكذا يؤخذ من مجموع كلام الطبري وابن عطية والقربي مع حذف المتداخل.