فهرس الكتاب
فلما دعاهم نوح _عليه السلام_ دعوة علموا منها أنه يقودهم إلى طاعته، ففكروا، وقدَّروا، فرأوا الأسباب المألوفة بينهم للسؤدد مفقودة من نوح _عليه السلام_ ومن الذين اتعبوه [1] فجزموا بأنه غير حقيق بالسيادة عليهم؛ فجزموا بتكذيبه فيما ادعاه من الرسالة بسيادة للأمة، وقيادة لها.
وهؤلاء لقصور عقولهم وضعف مداركهم لم يبلغوا إدراك أسباب الكمال الحق، فذهبوا يتطلبون الكمال من أعراض تَعْرِضُ للناس بالصدفة من سعة مال، أو قوة أتباع، أو عزة قبيلة.
وتلك أشياء لا يَطَّرِدُ أثرُها في جلب النفع العام، ولا إشعار لها بكمال صاحبها؛ إذ يشاركه فيها أقل الناس عقولًا، والحيوانُ الأعجمُ مثل البقرة بما في ضرعها من لبن، والشاة بما على ظهرها من صوف، بل غالب حالها أنها بضد ذلك.
وربما تطلبوا الكمال في أجناس غير مألوفة كالجن، أو زيادةِ خِلْقَةٍ لا أثر لها في عمل المتصف بها مثل جمال الصورة وكمال القامة.
وتلك وإن كانت ملازمة لموصوفاتها لكنها لا تفيدهم أن يكونوا مصادر كمالات؛ فقد يشاركهم فيها كثير من العجماوات كالظباء والمها والطواويس.
فإن ارتقوا على ذلك تطلبوا الكمال في أسباب القوة والعزة من بسطة الجسم، وإجادة الرماية، والمجالدة، والشجاعة على لقاء العدو.
وهذه أشبه بأن تعد في أسباب الكمال، ولكنها مكملات للكمال الإنساني؛ لأنها آلات لإنقاذ المقاصد السامية عند أهل العقول الراجحة والحكمة الإلهية كالأنبياء والملوك الصالحين.
وبدون ذلك تكون آلاتٍ لإنفاذ المقاصد السيئة مثل شجاعة أهل الحرابة وقطاع الطريق والشُّطَّار، ومثل القوة على خلع الأبواب؛ لاقتحام منازل الآمنين.
(1) _ هكذا في الأصل، والصواب: اتبعوه.