فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 864

وعباد الله الذين أراد بهم خيرًا ورعاهم بعنايته يجعل لهم من كل حالة كمالًا يكسبونه، ويسمى مثل ذلك بالابتلاء، فكان من فتون موسى بقضية القبطي أن قدر له الخروج إلى أرض مدين؛ ليكتسب رياضةَ نفسٍ، وتهيئةَ ضميرٍ؛ لتحمل [1] المصاعب، ويتلقى التهذيب من صهره الرسول شعيب _عليه السلام_.

ولهذا المعنى عقب ذكر الفتون بالتفريع في قوله: [فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى] فبين له كيف كانت عاقبة الفتون.

أو يكون الفتون مشتركًا بين محمود العاقبة وضده مثل الابتلاء في قوله: [وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ] .

أي واختبرناك اختبارًا، والاختبار: تمثيل لحال تكليفه بأمر التبليغ بحال من يختبر، ولهذا اختير هنا دون الفتنة. 16/220_221

15_ [قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ] .

هذا حكايةُ جوابِ فرعونَ عن الكلام الذي أمر الله موسى وهارون بإبلاغه فرعون؛ ففي الآية حذفُ جُمَلٍ دل عليها السياق؛ قصدًا للإيجاز، والتقدير: فَأَتَيَاه، فقالا له ما أمِرا به، فقال: فمن ربكما?

ولذلك جاءت حكاية قول فرعون بجملة مفصولة على طريقة حكاية المحاورات التي استقريناها من أسلوب القرآن، وبيناها في سورة البقرة وغيرها.

ووجه فرعون الخطاب إليهما بالضمير المشترك، ثم خص موسى بالإقبال عليه بالنداء؛ لعلمه بأن موسى هو الأصل بالرسالة، وأن هارون تابع له.

وهذا وإن لم يحتوِ عليه كلامهما؛ فقد تعين أن يكون فرعون عَلِمَه من كيفية دخولهما عليه ومخاطبته، ولأن موسى كان معروفًا في بلاط فرعون؛ لأنه ربيُّه أو رَبيّ أبيه؛ فله سابقة اتصال بدار فرعون، كما دل عليه قوله له المحكي في آية سورة الشعراء: [قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ] الآية.

(1) _ هكذا في الأصل، ولعلها: ليتحمَّل. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت