فهرس الكتاب
وخلاصتها أن داود جلس للقضاء بين الناس، وكان ابنه سليمان حينئذ يافعًا؛ فكان يجلس خارج باب بيت القضاء؛ فاختصم إلى داود رجلان أحدهما عامل في حرث لجماعة في زرع أو كرم، والآخر راعي غنم لجماعة، فدخلت الغنم الحرث ليلًا فأفسدت ما فيه؛ فقضى داود أن تعطى الغنم لأصحاب الحرث؛ إذ كان ثمن تلك الغنم يساوي ثمن ما تلف من ذلك الحرث، فلما حكم بذلك وخرج الخصمان، فقص أمرهما على سليمان، فقال: لو كنت أنا قاضيًا لحكمت بغير هذا؛ فبلغ ذلك داود؛ فأحضره وقال له: بماذا كنت تقضي?
قال: إني رأيت ما هو أرفق بالجميع، قال: وما هو? قال: أن يأخذ أصحاب الغنم الحرث يقوم عليه عاملهم، ويصلحه عامًا كاملًا حتى يعود كما كان، ويرده إلى أصحابه، وأن يأخذ أصحاب الحرث الغنم تسلّم لراعيهم؛ فينتفعوا من ألبانها وأصوافها ونسلها في تلك المدة؛ فإذا كمل الحرث وعاد إلى حاله الأول صرف إلى كل فريق ما كان له.
فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهما بذلك. 17/116
8_ [وََمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) ] .
أقيمت هذه السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد"وتصديق دعوته، فافتتحت بإنذار المعاندين باقتراب حسابهم ووشك حلول وعد الله فيهم وإثبات رسالة محمد"وأنه لم يكن بدعًا من الرسل، وذكروا إجمالًا، ثم ذكرت طائفة منهم على التفصيل، وتخلل ذلك بمواعظ ودلائل.
وعُطِفت هذه الجملة على جميع ما تقدم من ذكر الأنبياء الذين أوتوا حكمًا وعلمًا، وذكر ما أوتوه من الكرامات؛ فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد"."
ومزيتها على سائر الشرائع مزيةٌ تناسب عمومَها ودوامها، وذلك كونها رحمة للعالمين؛ فهذه الجملة عطف على جملة [وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ] ختامًا لمناقب الأنبياء، وما بينهما اعتراض واستطراد. 7/164_165
9_ وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين: الأول: تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني: إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته.