فهرس الكتاب
ففي قوله _تعالى_: [وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة؛ فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس بها في سائر أحوالهم، وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة.
وحكمةُ تمييزِ شريعة الإسلام بهذه المزية أن أحوال النفوس البشرية مضت عليها عصور وأطوار تهيأت بتطوراتها لأن تساس بالرحمة، وأن تدفع عنها المشقة إلا بمقادير ضرورية لا تقام المصالح بدونها؛ فما في الشرائع السالفة من اختلاط الرحمة بالشدة، وما في شريعة الإسلام من تمحض الرحمة _ لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة.
ولكن الله أسعد هذه الشريعةَ، والذي جاء بها، والأمةَ المتبعةَ لها _ بمصادفتها للزمن والطور الذي اقتضت حكمة الله في سياسة البشر أن يكون التشريع لهم تشريعَ رحمةٍ إلى انقضاء العالم.
فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر، قال _تعالى_: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] وقال _تعالى_: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ] وقال النبي": =بعثت بالحنيفية السمحة+."
وما يُتَخَيَّل من شدة في نحو القصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله _تعالى_: [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ] .
فالقصاص والحدود شدة على الجناة، ورحمة ببقية الناس.
وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه، وهم أهل الذمة.
ورحمته بهم عدم إكراههم على مفارقة أديانهم، وإجراء العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة.