فهرس الكتاب
فمن الأطعمة ما هو فاكهة وطعام كالتمر، والعنب؛ لأنه يؤكل رطبًا ويابسًا، ومنها ما هو فاكهة وليس بطعام كاللوز والكمثرى، ومنها ما هو طعام غير فاكهة كالزيتون، ولذلك أَخَّر ذكر شجرة الزيتون عن ذكر أخويها؛ لأنه أريد الامتنان بما في ثمرتهما من التفكه والقوت؛ فتكون مِنَّةً بالحاجيِّ والتحسيني. 18/33
5_ فيظهر أن المعنى أن الله خلق أول شجر الزيتون في طور سيناء، وذلك أن الأجناس والأنواع الموجودة على الكرة الأرضية لابد لها من مواطن كان فيها ابتداء وجودها قبل وجودها في غيرها؛ لأن بعض الأمكنة تكون أسعد لنشأة بعض الموجودات من بعض آخر؛ لمناسبة بين طبيعة المكان وطبيعة الشيء الموجود فيه من حرارة أو برودة أو اعتدال، وكذلك فصول السنة كالربيع لبعض الحيوان والشتاء لبعض آخر، والصيف لبعض غيرها؛ فالله _تعالى_ يوجد الموجودات في الأحوال المناسبة لها؛ فالحيوان والنبات كله جار على هذا القانون.
ثم إن البشر إذا نَقَلوا حيوانًا أو نباتًا من أرض إلى أرض، أو أرادوا الانتفاع به في فصل غير فصله، ورأوا عدم صلاحية المكان أو الزمان المنقول إليهما يحتالون له بما يكمل نقصه من تدفئة في شدة برد، أو تبريد بسبح في الماء في شدة الحر؛ حتى لا يتعطل تناسل ذلك المنقول إلى غير مكانه؛ فكما أن بعض الحيوان أو النبات لا يعيش طويلًا في بعض المناطق الملائمة لطباعه كالغزال في بلاد الثلوج فكذلك قد يكون بعض الأماكن من المنطقة الملائمة للحيوان أو النبات أصلح به من بعض جهات تلك المنطقة؛ فلعل جَوَّ طورِ سَيناءَ لتوسطه بين المناطق المتطرفة حرًا وبردًا، ولتوسط ارتفاعه بين النجود والسهول _ يكون أسعدَ بطبع فصيلة الزيتون كما قال _تعالى_: [زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ] .