فهرس الكتاب

الصفحة 474 من 864

فَخُلُقُ المرء: مجموع غرائز _أي طبائع نفسية_ مؤتلفة من انطباع فكري: إما جِبِلِّي في أصل خلقته، وإما كَسْبِيٌّ ناشئٌ عن تمرُّن الفكر عليه، وتقلده إياه؛ لاستحسانه إياه عن تجربةِ نَفْعِهِ، أو عن تقليد ما يشاهده من بواعث محبة ما شاهد.

وينبغي أن يسمى اختيارًا من قول أو عمل لذاته، أو لكونه من سيرة من يحبه ويقتدي به، ويسمى تقليدًا، ومحاولته تسمى تخلقًا، قال سالم بن وابصة:

عليك بالقصيد [1] فيما أنت فاعله ... إن التخلُّقَ يأتي دونه الخُلُق

فإذا استقر وتمكن من النفس صار سجية له يجري أعماله على ما تمليه عليه، وتأمره به نفسه بحيث لا يستطيع ترك العمل بمقتضاها، ولو رام حمل نفسه على عدم العمل بما تمليه سجيته لاستصغر نفسه وإرادته، وحقر رأيه.

وقد يتغير الخُلُقُ تغيرًا تدريجيًا بسبب تجربة انجرار مضرة من داعيه، أو بسبب خوف عاقبة سيئة من جرائه بتحذير من هو قدوة عنده؛ لاعتقاد نصحه، أو لخوف عقابه، وأول ذلك هو المواعظ الدينية. 19/172

8_ ومثلت حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة؛ لأن الشعراء يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس، ومن نسيب وتشبيب بالنساء، ومدح من يمدحونه؛ رغبة في إعطائه وإن كان لا يستحق المدح، وذم من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل، وربما ذموا من كانوا يمدحونه، ومدحوا من سبق لهم ذمه. 19/209

9_ وشفع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال: [وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ] والعرب يتمادحون بالصدق، ويعيرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد، وما يخالف الواقع حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه.

والكذب مذموم في الدين الإسلامي؛ فإن كان الشعر كذبًا لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح، وإن كان عليه قرينة كان كذبًا معتذرًا عنه؛ فكان غير محمود.

(1) _ هكذا في الأصل، ولعل الصواب: =بالقصد+ لأجل استقامة الوزن والمعنى. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت