فهرس الكتاب
وفي هذا إبداء للبون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي"الذي كان لا يقول إلا حقًا، ولا يصانع ولا يأتي بما يضلل الأفهام."
ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله:
فبتن بجانبيَّ مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام
فقال سليمان: قد وجب عليك الحد، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله: [وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ] .
وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملًا لعمر بن الخطاب فقال شعرًا:
من مبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم [1]
إلى أن قال:
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق [2] المتهدم
فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه بالقدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحد.
فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئًا مما قلت، وإنما كان فضلة من القول وقد قال الله _تعالى_: [وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ] .
فقال له عمر: =أما عذرك فقد درأ عنك الحد، ولكن لا تعمل لي عملًا أبدًا وقد قُلْتَ ما قُلْتَ+. 19/109_210
10_ وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغض منه، واستثناء [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] الخ... من عموم الشعراء، أي من حكم ذمهم.
وبهذا الاستثناء تعين أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن، والدخول في الإسلام.
(1) _ هكذا ورد البيت في الأصل، وكأن فيه نقصَ حرف في الشطر الأول؛ فيكون من بحر الكامل، ويكون الشطر الثاني من الطويل، ولعل الصواب (فمن مبلغ الحسناء....) .
ويُروى البيت: ألا هل أتى الحسناء...
فيكون الشطران من بحر الطويل . (م)
(2) _ الجوسق: القصر، كان أهل البطالة والخلاعة يأوون إلى القصور المتروكة.