فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 864

وهذا الغُلْبُ الذي ذكر في هذه الآية هو انهزام الروم في الحرب التي جرت بينهم وبين الفرس سنة 615 مسيحية, وذلك أن (خسرو) ابن (هرمز) ملك الفرس غزا الروم في بلاد الشام وفلسطين وهي من البلاد الواقعة تحت حكم هرقل قيصر الروم؛ فنازل إنطاكية، ثم دمشق، وكانت الهزيمة العظيمة على الروم في أطراف بلاد الشام المحادةِ بلادَ العربِ بين بُصرى وأذرعات, وذلك هو المراد في هذه الآية بـ [أَدْنَى الأَرْضِ] أي أدنى بلاد الروم إلى بلاد العرب.

فالتعريف في [الأَرْضِ] للعهد، أي أرض الروم المتحدث عنهم، أو اللام عوض عن المضاف إليه، أي في أدنى أرضهم، أو أدنى أرض الله.

وحُذِف متعلق [أَدْنَى] لظهور أن تقديره: من أرضكم، أي أقرب بلاد الروم من أرض العرب؛ فإن بلاد الشام تابعة يومئذ للروم, وهي أقرب مملكة الروم من بلاد العرب.

وكانت هذه الهزيمة هزيمة كبرى للروم. 21/42_43

5_ وفائدةُ ذكرِ [مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ] : التنبيه على عظم تلك الهزيمة عليهم، وأنها بحيث لا يظن نصر لهم بعدها؛ فابتهج بذلك المشركون؛ فالوعد بأنهم سيغلبون بعد ذلك الانهزام في أمد غير طويل تَحدٍّ تحدَّى به القرآنُ المشركين، ودليل على أن الله قدَّر لهم الغلب على الفرس؛ تقديرًا خارقًا للعادة معجزة لنبيه"وكرامة للمسلمين."

ولفظ [بِضْعَ] بكسر الموحدة كناية عن عدد قليل لا يتجاوز العشرة، وقد تقدم في قوله _تعالى_: [فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ] في سورة يوسف، وهذا أَجَلٌ لرد الكرة لهم على الفرس.

وحكمة إبهام عدد السنين أنه مقتضى حال كلام العظيم الحكيم أن يقتصر على المقصود إجمالًا, وأن لا يتنازل إلى التفصيل؛ لأن ذلك التفصيل يتنزل منزلة الحشو عند أهل العقول الراجحة, وليكون للمسلمين رجاءٌ في مدة أقرب مما ظهر؛ ففي ذلك تفريج عليهم.

وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الجهة الرابعة في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير. 21/44

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت