فهرس الكتاب
قلت: أرادت أن رغبة النبي"في تزوج زينب أو إعلام الله إياه بذلك كان سرًا في نفسه لم يطلع عليه أحدٌ؛ إذ لم يؤمر بتبليغه إلى أحد."
وعلى ذلك السر انبنى ما صدر منه لزيد في قوله: [أمسك عليك زوجك] .
فلما طلقها زيد ورام تزوجها علم أن المنافقين سيرجفون بالسوء، فلما أمره الله بذكر ذلك للأمة وتبليغ خبره بلغه ولم يكتمه مع أنه ليس في كتمه تعطيل شرع، ولا نقص مصلحة؛ فلو كان كاتمًا لكتم هذه الآية التي هي حكاية سر في نفسه وبينه وبين ربه _تعالى_.
ولكنه لما كان وحيًا بلغه؛ لأنه مأمور بتبليغ كل ما أنزل إليه.
واعلم أن للحقائق نصابَها، وللتصرفات موانعها وأسبابها، وأن الناس قد تمتلكهم العوائد؛ فتحول بينهم وبين إدراك الفوائد، فإذا تفشت أحوال في عاداتهم استحسنوها ولو ساءت، وإذا ندرت المحامد دافعوها إذا رامت مداخلة عقولهم وشاءت، وكل ذلك من تحريف الفطرة عن وضعها، والمباعدة بين الحقائق وشرعها.
ولما جاء الإسلام أخذ يغزو تلك الجيوش لِيَقْلَعَها من أقاصيها، وينزلها من صياصيها؛ فالحُسْنُ المشروعُ ما تشهد الفطرة لحسنه، والقبيح الممنوع الذي أماتته الشريعة وأمرت بدفنه. 22/35_38
9_ وقد أجمع الصحابة على أن محمدًا"خاتم الرسل والأنبياء، وعرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم، ولذلك لم يترددوا في تكفير مسيلمة والأسود العنسي؛ فصار معلومًا من الدين بالضرورة؛ فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإسلام ولو كان معترفًا بأن محمدًا"رسول الله للناس كلهم.
وهذا النوع من الإجماع موجبُ العلم الضروري ما أشار إليه جميع علمائنا، ولا يدخل هذا النوع في اختلاف بعضهم في حجِّية الإجماع؛ إذ المختلف في حجيته هو الإجماع المستند لنظر وأدلة اجتهادية بخلاف المتواتر المعلوم بالضرورة.
وفي كلام الغزالي في خاتمة كتاب الاقتصاد في الاعتقاد مخالفة لهذا على ما فيه من قلة تحرير.