فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 864

ومن عادة أصحاب الأوهام السخيفة، والعقول المأفونة أن يسندوا الأحداث إلى مقارنتها دون معرفة أسبابها ثم أن يتخيروا في تعيين مقارنات الشؤم أمورًا لا تلائم شهواتهم وما ينفرون منه، وأن يعينوا من المقارنات للتيمن ما يرغبون فيه، وتقبله طباعهم يغالطون بذلك أنفسهم شأن أهل العقول الضعيفة؛ فمرجع العلل كلها لديهم إلى أحوال نفوسهم ورغائبهم كما حكى الله _تعالى_ عن قوم فرعون: [فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ] وحكى عن مشركي مكة: [وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ] .

ويجوز أن يكونوا أرادوا بالشؤم أن دعوتهم أحدثت مشاجراتٍ واختلافًا بين أهل القرية فلما تمالأت نفوس أهل القرية على أن تعليل كلِّ حدثٍ مكروه يصيب أحدهم بأنه من جزاء [1] هؤلاء الرسل اتفقت كلمتهم على ذلك فقالوا: [إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ] أي يقولها الواحد منهم، أو الجمع، فيوافقهم على ذلك جميع أهل القرية.

ثم انتقلوا إلى المطالبة بالانتهاء عن هذه الدعوة فقالوا: [لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ] وبذلك ألجأوا (بوليس) و (برنابا) إلى الخروج من إنطاكية فخرجا إلى إيقونية، وظهرت كرامة (بولس) في أيقونية ثم في (لسترة) ثم في (دربة) .

ولم يزل اليهود في كل مدينة من هذه المدن يشاقون الرسل، ويضطهدونهم، ويثيرون الناس عليهم، ويلحقونهم إلى كل بلد يحلون به؛ ليشعبوا عليهم، فمسهم من ذلك عذاب وضر، ورجم (بولس) في مدينة (لسترة) حتى حسبوا أن قد مات. 22/362_363

5_ [قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) ]

(1) _ هكذا في الأصل، ولعل الصواب: جَرَّاء. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت