فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 864

الثاني: إن سلمنا عدم اشتراط القصد فإنَّ نفي كونِ القرآن شعرًا جرى على الغالب؛ فلا يعد قائله كاذبًا ولا جاهلًا؛ فلا ينافي اليقين بأن القرآن من عند الله علمه محمدًا"."

ومال ابن العربي في أحكام القرآن إلى أن ما تكلفوه من استخراج فقرات من القرآن على موازين شعرية لا يستقيم إلا بأحد أمور مثل بتر الكلام أو زيادة ساكن أو نقص حرف أو حرفين، وذكر أمثلة لذلك في بعضها ما لا يتم له فراجعه.

ولا محيص من الاعتراف باشتمال القرآن على فقرات متزنة يلتئم منها بيت أو مصراع، فأما ما يَقِلُّ عن بيت فهو كالعدم؛ إذ لا يكون الشعر أقلَّ من بيت، ولا فائدة في الاستكثار من جلب ما يُلْفى متزنًا؛ فإن وقوعَ ما يساوي بيتًا تامًا من بحر من بحور الشعر العربي ولو نادرًا أو مزحّفًا أو مُعلًا كافٍ في بقاء الإشكال؛ فلا حاجة إلى ما سلك ابن العربي في رده ولا كفاية لما سلكه السكاكي في كتابه؛ لأن المردود عليهم في سعة من الأخذ بما يلائم نحلتهم من أضعف المذاهب في حقيقة الشعر وفي زحافه وعلله.

وبعد ذلك فإن الباقلاني والسكاكي لم يغوصا على اقتلاع ما يثيره الجواب الثاني في كلامهما بعدم القصد إلى الوزن من لزوم خفاء ذلك على علم الله _تعالى_ فلماذا لا تجعل في موضع تلك الفقرات المتزنة فقرات سليمة من الاتزان.

ولم أر لأحد من المفسرين والخائضين في وجوه إعجاز القرآن التصدي لاقتلاع هذه الشبهة، وقد مضت عليها من الزمان برهة، وكنت غير مقتنع بتلك الردود ولا أرضاها، وأراها غير بالغة من غاية خيل الحلبة منتهاها.

فالذي بدا لي أن نقول: إن القرآن نزل بأفصح لغات البشر التي تواضعوا واصطلحوا عليها، ولو أن كلامًا كان أفصح من كلام العرب أو أمة كانت أسلم طباعًا من الأمة العربية _ لاختارها الله لظهور أفضل الشرائع، وأشرف الرسل، وأعز الكتب الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت