فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 864

ولقد ظهرت حكمة علام الغيوب في ذلك؛ فإن المشركين لما سمعوا القرآن ابتدروا إلى الطعن في كونه منزلًا من عند الله بقولهم في الرسول: هو شاعر، أي أن كلامه شعر حتى أفاقهم من غفلتهم عقلاؤهم مثل الوليد بن المغيرة، وأنيس ابن جنادة الغفاري، وحتى قرعهم القرآن بهذه الآية: [وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ] .

وبعد هذا فإن إقامة الشعر لا يخلو الشاعر فيها من أن يتصرف في ترتيب الكلام تارات بما لا تقضيه الفصاحة مثل ما وقع لبعض الشعراء من التعقيد اللفظي، ومثل تقديم وتأخير على خلاف مقتضى الحال؛ فيعتذر لوقوعه بعذر الضرورة الشعرية، فإذا جاء القرآن شعرًا قصّر في بعض المواضع عن إيفاء جميع مقتضى الحال حقه.

وسنذكر عند تفسير قوله _تعالى_: [وَمَا يَنْبَغِي لَه] وجوهًا ينطبق معظمها على ما أشار إليه قوله _تعالى_ هنا: [وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ] .

وقد قال ابن عطية: إن الضمير المجرور باللام في قوله: [وَمَا يَنْبَغِي لَه] يجوز أن يعود على القرآن كما سيأتي.

وقوله: [وَمَا يَنْبَغِي لَه] جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها اتباع نفي أن يكون القرآن الموحى به للنبي"شعرًا بنفي أن يكون النبي"شاعرًا فيما يقوله من غير ما أوحى به إليه أي فطر الله النبي"على النفرة بين ملكته الكلامية والملكة الشاعرية، أي لم يجعل له ملكة أصحاب قرض الشعر، لأنه أراد أن يقطع من نفوس المكذبين دابر أن يكون النبي"شاعرًا، وأن يكون قرآنه شعرًا، ليتضح بهتانُهم عند من له أدنى مُسْكَةٍ من تمييز للكلام وكثيرٌ ما هُمْ بين العرب رجالهم، وكثير من نسائهم غير زوج عبدالله بن رواحة ونظيراتها، والواو اعتراضية.

وضمير (ينبغي) عائد إلى الشعر، وضمير (له) يجوز أن يكون عائد إلى ما عاد إليه ضمير الغائب في قوله: =علمناه+ وهو الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت